أفرزت الحرب على قطاع غزة أزمة إنسانية وقانونية مركبة، لا تقتصر على أعداد القتلى والجرحى والنازحين، بل تمتد إلى فئة أشد هشاشة من الناحية القانونية والإنسانية: المفقودون. فالمفقود في سياق الحرب ليس مجرد شخص انقطع خبره، بل هو مركز قانوني معلّق؛ تتوقف عنده حقوق الأسرة، وتعجز الإدارة العامة عن الحسم، ويتعذر على القضاء الانتقال من افتراض الحياة إلى ترتيب آثار الوفاة من دون كلفة أخلاقية وقانونية باهظة. وفي هذا المعنى، لا تكمن خطورة الظاهرة في غياب الأشخاص فقط، بل في غياب اليقين ذاته، بما يتركه من أثر ممتد على الأسرة والملكية والأهلية والروابط الشخصية. ويؤكد القانون الدولي الإنساني أن أنشطة أطراف النزاع يجب أن تُسترشد، في هذا المجال، بـ حق العائلات في معرفة مصير أقاربها، وأن على كل طرف اتخاذ جميع التدابير الممكنة للبحث عن المفقودين والإبلاغ عن مصيرهم كلما سمحت الظروف.
وبحسب المعطيات محل هذه الورقة، بلغ عدد المفقودين في غزة 11200 مفقود، من بينهم قرابة 4200 طفل وامرأة. وهذه الأرقام، حتى بصرف النظر عن الجدل الإحصائي المحيط بتقدير المفقودين في الحروب، تكشف حجم أزمة تتجاوز الإحصاء إلى البنية الاجتماعية نفسها: أسر بلا معيل معلوم المصير، زوجات معلقات بين الأمل والحداد، أطفال بلا يقين قانوني بشأن آبائهم أو أمهاتهم، وحقوق مدنية ومالية معلقة على واقعة لم تثبت ولم تُنفَ. كما أن تقارير حديثة تناولت غزة وصفت أزمة شهادات الوفاة للمفقودين بأنها أزمة قانونية قائمة بذاتها، لما يترتب على غياب إثبات الوفاة من تعطيل للميراث والوصاية والإعالة والمعاملات الرسمية.
ومن هنا تتمثل الإشكالية الرئيسية لهذه الورقة في السؤال الآتي: كيف يمكن قانونًا إدارة حالة المفقودين في غزة في ظل التوتر بين مقتضيات الحسم الإنساني للأسر، ومتطلبات اليقين والضمانات القانونية التي تحول دون التسرع في إعلان الوفاة؟ وتنبع أهمية هذا السؤال من خصوصية السياق الفلسطيني: احتلال قائم، حرب وحشية واسعة النطاق، قيود على الوصول والبحث والانتشال والتوثيق، وتفكك مؤسسي أصاب البنية الإدارية والقضائية والصحية في غزة، بما جعل مسألة المفقودين اختباراً قاسياً لقدرة القانون على الاستجابة لحالة استثنائية دون أن يفقد معاييره الأساسية.
في القانون الدولي الإنساني، لا تُعالج مسألة المفقودين بوصفها شأناً إدارياً داخلياً، بل باعتبارها التزاماً قانونياً أصيلاً يترتب على أطراف النزاع. فالبروتوكول الإضافي الأول لعام 1977 يقرر أن أنشطة الأطراف والمنظمات الإنسانية في هذا الباب يجب أن تُسترشد أساساً بحق العائلات في معرفة مصير أقاربها، كما يلزم كل طرف بالبحث عن الأشخاص الذين أُبلغ عن فقدهم نتيجة النزاع، وتبادل المعلومات ذات الصلة كلما سمحت الظروف. ويعزز القانون الدولي الإنساني العرفي هذا الالتزام من خلال القاعدة 117، التي تنص على وجوب اتخاذ جميع التدابير الممكنة للتحقق من مصير الأشخاص المبلغ عن فقدهم بسبب النزاع المسلح.
ويكشف هذا الإطار أن قضية المفقودين لا تنحصر في السؤال عما إذا كان الشخص حيًا أم ميتًا، بل تشمل سلسلة من الالتزامات: واجب البحث، وواجب الجمع والتسجيل، وواجب الإبلاغ، وواجب احترام رفات الموتى وتحديد هويتهم متى أمكن. كما أن الصلة بين المفقودين وبين حماية الحياة الأسرية ليست صلة أخلاقية فقط؛ فاحترام الأسرة وحقها في معرفة المصير هو جزء من البنية الحمائية للقانون الإنساني نفسه. ومن ثم فإن أي تقاعس عن البحث أو التوثيق أو تمكين العائلات من الوصول إلى المعلومات لا يمثل مجرد قصور إداري، بل قد يرقى إلى إخلال بالواجبات القانونية المترتبة في زمن النزاع المسلح.
أما في القانون الدولي لحقوق الإنسان، فإن المسألة تتصل بعدة حقوق متداخلة: الحق في الحياة، وحظر المعاملة اللاإنسانية، والحق في الاعتراف بالشخصية القانونية، وحق الأسرة في الحماية، والحق في معرفة الحقيقة. وقد كرست الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري هذا البعد بصورة أوضح، حين نصت في المادة 24 على أن لكل ضحية الحق في معرفة الحقيقة بشأن ظروف الاختفاء، وتقدم التحقيق ونتائجه، ومصير الشخص المختفي، وعلى الدولة اتخاذ التدابير المناسبة لذلك. كما تؤكد أدوات الأمم المتحدة أن الالتزام بالبحث لا ينقضي إلا بتحديد المصير ومكان الوجود، وفي حالة الوفاة يجب تحديد الرفات واحترامها وإعادتها إلى الأسرة كلما أمكن.
غير أن خصوصية السياق الفلسطيني تفرض ملاحظة منهجية مهمة: ليس كل مفقود في غزة هو بالضرورة مختفٍ قسراً بالمعنى الفني الكامل الوارد في اتفاقية الاختفاء القسري، لأن هذا الوصف القانوني يتطلب عناصر محددة تتعلق بحرمان من الحرية يعقبه إنكار أو إخفاء لمصير الشخص من جانب الدولة أو من يعملون بإذنها أو دعمها. لكن ذلك لا ينفي أن بعض حالات المفقودين قد تندرج ضمن هذا التكييف إذا توافرت عناصره، ولا ينفي كذلك أن الحق في المعرفة والبحث والتوثيق يظل قائماً حتى في الحالات التي لا تندرج تقنياً تحت وصف الاختفاء القسري. لهذا، فإن الإطار الدولي الأصح في الحالة الغزّية هو إطار مزدوج: قانون إنساني ينظم واجبات أطراف النزاع تجاه المفقودين عموماً، وقانون حقوق إنسان يضمن للأسر حقوق الحقيقة والإنصاف والحماية.
وتتضاعف حدة الإشكال في فلسطين بسبب ثلاثة عوامل مترابطة: أولها استمرار الاحتلال وما يرافقه من سيطرة متفاوتة على الحركة والوصول والمعلومات؛ وثانيها استهداف البنية المدنية والصحية والإدارية بما يعيق الانتشال والتسجيل والفحص الجنائي؛ وثالثها الانقسام المؤسسي الفلسطيني الذي يضعف انتظام القاعدة القانونية وتوحيد الاستجابة. ولذلك فإن أزمة المفقودين في غزة ليست مجرد أزمة عددية، بل هي أيضاً أزمة قدرة قانونية ومؤسسية على تفعيل الالتزامات الدولية في بيئة تتعرض فيها أدوات التنفيذ نفسها للانهيار أو التعطيل.
تواجه المنظومة القانونية الفلسطينية صعوبة واضحة في استيعاب هذه الظاهرة على النحو الذي أفرزته الحرب على غزة. فالقواعد السارية بشأن الغائب والمفقود نشأت أصلاً للتعامل مع حالات فردية أو محدودة نسبياً، ولم تُصمم لحالة جماعية واسعة تتقاطع فيها الحرب مع الانهيار المؤسسي وفقدان القدرة على التوثيق والوصول إلى الجثامين. ولهذا يبدو القصور هنا هيكلياً لا مجرد قصور في التطبيق: النصوص موجودة، لكن بنيتها الافتراضية تفترض حداً أدنى من انتظام الإدارة، وإمكانية الإثبات، وعمل القضاء، والوصول إلى الشهود والسجلات، وهي افتراضات تزعزعت جميعاً في غزة.
ويتفاقم هذا القصور لأن الظاهرة غير مسبوقة بهذا الحجم. فحين ينتقل القانون من التعامل مع “مفقود” بوصفه حالة استثنائية إلى “مفقودين” بوصفهم فئة اجتماعية جماعية، تتغير طبيعة الحاجة القانونية نفسها. إذ لم يعد المطلوب مجرد حكم فردي يبت في مصير شخص، بل منظومة استجابة تتضمن توثيقاً مركزياً، وإدارة للبيانات، وقواعد إثبات مرنة، وتدابير مؤقتة لحماية أموال الأسر وحقوقها، وآليات تنسيق بين الصحة والقضاء والداخلية والجهات الحقوقية والإنسانية. وهذه كلها حلقات تضررت بشدة في غزة نتيجة الحرب وتداعياتها.
وتتجلى الأزمة العملية بصورة صارخة في مسألة استخراج شهادات الوفاة. فوفق الإشكال المطروح في هذه الورقة، ترفض الجهات الرسمية إصدار شهادة وفاة لمن لم تُفحص جثته أو لم يُسجَّل دخوله إلى مستشفيات القطاع، ما لم يُستصدر ما يعرف بـ محضر إثبات وفاة، وهو إجراء قانوني يتطلب حضور شاهدين يؤديان يميناً مغلظاً على صحة البيانات المقدمة. وفي الحالات التي لم يدخل فيها المفقود إلى المستشفى، أو تعذر العثور على جثمانه، أو دُفن تحت الأنقاض، أو اختفى في منطقة استهداف كثيف، تتحول هذه الاشتراطات إلى عبء إثبات يكاد يكون مستحيلاً. وقد أظهرت تقارير حديثة من غزة أن غياب شهادة الوفاة لا يعطل فقط التسجيل المدني، بل يمس مباشرة المعونة، والوصاية على الأطفال، وتسوية الملكية، والطلاق أو إعادة الزواج في بعض الحالات.
والأثر القانوني لهذا التعطيل عميق ومتعدد المستويات. فعلى مستوى الحقوق المدنية والمالية، يجمّد الميراث، وتتعطل المعاملات المتعلقة بالعقارات والحسابات والالتزامات، وتبقى الأسرة في منطقة رمادية لا هي ورثة قانوناً ولا هي قادرة على إدارة أموال المفقود على نحو مستقر. وعلى مستوى الأحوال الشخصية، تبقى الزوجة معلقة بين زوجية قائمة ووفاة غير ثابتة، بما ينعكس على حقها في الزواج مجدداً أو في تنظيم أوضاعها الأسرية. وعلى المستوى الاجتماعي والنفسي، يتحول القانون من أداة حماية إلى أداة إطالة للانتظار القسري، لأن اشتراط الإثبات التقليدي في ظرف استثنائي لا يصون اليقين بقدر ما يعيد إنتاج العجز المؤسسي في صورة رسمية. وهنا تظهر المفارقة المركزية: الإفراط في التشدد الإثباتي لا يؤدي بالضرورة إلى حماية الحق، بل قد يؤدي إلى تجميد الحق.
ومن ثم، فإن ضعف الإطار الفلسطيني لا يُختزل في غياب نص خاص بالمفقودين لأن النص موجود، بل في غياب هندسة قانونية استثنائية تستجيب لحالة الحرب. فالقانون هنا ما زال يطالب الأسرة بأدوات إثبات نشأت في زمن انتظام السجلات والجثامين والشهود والمحاكم، بينما تعمل الأسر اليوم في فضاء تمزقت فيه تلك الشروط ذاتها. وهذا ما يجعل المطالبة بإعادة النظر في قواعد الإثبات وتدرج المراكز القانونية للمفقودين ضرورة قانونية لا مجرد مطلب إنساني.
في هذا السياق برز التعميم القضائي المشار إليه في المادة المرجعية المرفقة، والذي يفيد بالحكم بوفاة المفقود بعد ستة أشهر من وقف إطلاق النار. وتكتسب هذه المسألة أهميتها لأنها تقع عند تقاطع ثلاثة مستويات: الشرعية القانونية، والملاءمة الإدارية، والاجتهاد الفقهي. فالقرار، بصرف النظر عن مسماه، ليس محايدًا من الناحية القانونية؛ لأنه يرتب آثارًا شديدة الخطورة تتعلق بالزواج والميراث والحالة المدنية والشخصية القانونية. وقد عرض الملف المرفق نقاشًا نقديًا ثرياً حول هذه النقطة، مؤكدًا أن اعتماد مدة الستة أشهر يثير أسئلة حول مدى انسجامه مع البنية التقليدية لأحكام المفقود في الفقه والقانون الساري.
والسؤال الأول هنا: هل نحن أمام قاعدة قانونية أم تدبير إداري/قضائي تنظيمي؟ من الناحية النظرية، الأصل أن تعديل المدد أو إنشاء قرائن حاسمة في مسائل الأحوال الشخصية ينبغي أن يستند إلى أساس تشريعي واضح، لأن الأمر لا يتعلق بإدارة ملف إداري فحسب، بل بإعادة ترتيب مراكز قانونية أصلية. لذلك، إذا كان التعميم مجرد أداة تنظيمية لتوحيد عمل المحاكم الشرعية وتخفيف الضرر عن الأسر، فهو يظل في أحسن الأحوال اجتهادًا تدبيريًا ظرفيًا لا يرقى بذاته إلى مرتبة إلغاء أو تعديل القواعد النافذة. أما إذا قُرئ بوصفه قاعدة عامة مجردة تحل محل المدد القانونية أو القضائية المعروفة، فإن إشكاليته تصبح أعمق، لأنه يقترب من المجال المحجوز للتشريع أو للاجتهاد القضائي المؤسس على سند قانوني صريح.
أما السؤال الثاني فيتعلق بمدى تعارض هذا التوجه مع القواعد المعمول بها التي أشارت إليها الورقة المرجعية، والتي تفرق بين مدد أطول في الأحوال العامة ومدد خاصة في ظروف الحروب. ولا تتعلق الملاحظة هنا بمجرد “طول” المدة أو “قصرها”، بل بطبيعة المعيار ذاته: هل الوفاة الحكمية تثبت بمرور الزمن وحده، أم باقتران الزمن بقرائن واقعية قوية على الهلاك؟ الملف المرجعي يميل بوضوح إلى نقد تحويل مدة الستة أشهر إلى معيار شبه جامد، ويؤكد أن المنهج الأوفق هو منح القاضي سلطة تقديرية أوسع قائمة على تحليل القرائن لا الاقتصار على المدة الزمنية وحدها.
فقهياً، تظل قاعدة “اليقين لا يزول بالشك” حاضرة بقوة في هذه المسألة؛ فحياة الإنسان متيقنة قبل الفقد، والموت لاحقاً احتمال يحتاج إلى دليل معتبر. وتدعمها قاعدة الاستصحاب التي تقضي ببقاء ما كان على ما كان حتى يثبت خلافه، وهو ما يعني أن الأصل بقاء حياة المفقود. في المقابل، لا يقف الفقه الإسلامي عند هذا الحد، بل يوازن بين الاحتياط للحياة وبين رفع الضرر عن الزوجة والأسرة ومنع تعطيل الأموال والحقوق. ولهذا اختلفت المذاهب في تقدير المدة: فثمة اتجاهات شددت ومالت إلى مدد طويلة أو إلى بلوغ سن يغلب عنده الهلاك، واتجاهات أخرى ـ خاصة عند النظر إلى ظروف يغلب فيها الهلاك كالحروب والكوارث ـ فسحت مجالًا أوسع لاجتهاد القاضي وتقدير الملابسات. وهذا ما يجعل الفقه الإسلامي، في جوهره، أقل ميلًا إلى “الرقم الجامد” وأكثر ميلًا إلى القرينة والسياق. ومن زاوية المقارنة العربية، تكشف التشريعات العربية عمومًا عن اتجاهين: اتجاه محافظ يطيل المدد درءًا للخطأ، واتجاه مرن يميز بين حالات الغيبة العادية وحالات الفقد في ظروف يغلب فيها الهلاك، فيجيز تقصير المدة متى قامت قرائن قوية وتحقق للقاضي اطمئنان معتبر. وليس المقصود من المقارنة البحث عن تطابق تشريعي، بل إبراز أن المرونة ليست خروجًا بالضرورة على الفقه أو القانون المقارن، لكنها تصبح إشكالية حين تتحول من مرونة قضائية مقيدة بالقرائن إلى قاعدة عامة مختصرة قد لا تميز بين الملفات اختلافًا وملابسات. لذا فالتيسير في ذاته قد يكون مشروعًا، لكن التيسير غير المنضبط قد ينقلب إلى تعجيل مخلّ بالضمانات.
وعليه، فإن تقييم التعميم ينبغي أن يكون مركباً: فهو من جهة يعكس محاولة مفهومة للاستجابة لمعاناة بشرية حادة ولشلل قانوني حقيقي يواجه الأسر؛ لكنه من جهة أخرى يثير مخاوف جدية إذا فُهم باعتباره بديلاً عن نظام إثبات مرن قائم على القرائن الفردية. فالخطر ليس في تخفيف المدد لظرف استثنائي بحد ذاته، بل في أن يُختزل التقدير القضائي في رزنامة زمنية لا تكفي وحدها لحماية الحقوق المعقدة المتولدة عن الفقدان.
تكشف أزمة المفقودين في غزة عن توتر بنيوي بين منطقين قانونيين متعارضين ظاهرياً ومشروعين معاً: منطق الضرورة الإنسانية، الذي يدفع نحو الحسم السريع رحمة بالأسر وتمكينًا لها من ترتيب أوضاعها؛ ومنطق الضمانات القانونية، الذي يفرض الحذر لأن إعلان الوفاة ليس مجرد توصيف واقعي بل قرار منشئ لآثار نهائية وعميقة. والمشكلة أن كلاً من المنطقين صحيح في ذاته، لكن تطبيق أحدهما بإطلاق قد يسحق الآخر: فالحسم المتسرع قد ينتج أخطاء يصعب علاجها، بينما التعليق الطويل قد يحول حياة الأسر إلى حالة عقاب قانوني مفتوح.
ومن أخطر المخاطر المرتبطة بالتعجيل في الحكم بالوفاة احتمال إصدار شهادات وفاة خاطئة أو أحكام وفاة حكمية في حالات قد يظهر فيها المفقود لاحقًا. وهذا ليس احتمالًا نظرياً محضاً في النزاعات المسلحة، حيث قد ينقطع الاتصال لأسباب متعددة: الاعتقال، الإخلاء القسري، الإصابة وفقدان الوعي، انهيار البنية الاتصالية، أو الدفن دون تعريف. وإذا ظهر المفقود لاحقًا بعد توزيع تركته أو زواج زوجته أو تسوية التزامات مالية على أساس وفاته، فإن القانون يواجه سلسلة من المعضلات: هل تسترد الأموال؟ ما مصير التصرفات التي تمت للغير حسن النية؟ ما حكم الزواج اللاحق؟ وكيف تُعاد الشخصية القانونية إلى من سبق أن رُتبت آثار وفاته؟ لقد نبهت الورقة المرجعية بوضوح إلى هذا الخطر واعتبرته من صميم النقد الواجب لأي مقاربة متعجلة.
لكن المخاطر المقابلة، أي مخاطر الإبقاء الطويل على حالة التعليق، لا تقل جسامة. فتعليق الميراث ليس شأناً مالياً مجرداً، بل قد يعني عجز الأسرة عن الوصول إلى موردها الوحيد. وتعليق مركز الزوجة لا يمس “إجراءً” بل حياتها الخاصة وكرامتها واستقرارها الاجتماعي. كما أن الأطفال قد يجدون أنفسهم في فراغ قانوني يتعلق بالولاية والوصاية والرعاية. ومن هذه الزاوية، يصبح الامتناع عن تعديل الأدوات القانونية في ظرف استثنائي نوعًا من التمسك الشكلي بالقواعد على حساب الغاية الحمائية للقانون نفسه. هذا ما يجعل السؤال الأدق ليس: هل نتشدد أم نتساهل؟ بل: كيف نصمم درجة من المرونة تحمي الأسرة دون أن تُبطل الاحتياط؟
والجواب، في تقديري، هو أن الأدوات القانونية الحالية ـ بصورتها التقليدية ـ غير ملائمة تمامًا للسياق الاستثنائي في غزة. فهي صيغت على افتراض وجود جثمان أو سجل طبي أو إمكانية مستقرة للتحقق أو حضور شهود في ظرف عادي، بينما الواقع الراهن يتميز بانهيار المستشفيات والسجلات، وصعوبة الوصول إلى الأنقاض، وتعذر الفحص الجنائي الكامل، وتعدد أسباب الاختفاء. لذلك فإن الاستمرار في مطالبة الأسر بعبء إثبات تقليدي في ظرف غير تقليدي لا يعكس حيادًا قانونيًا، بل يعكس قصورًا في استيعاب تغير البيئة الواقعية للإثبات.
بعبارة أخرى، الأزمة ليست فقط في نقص النصوص، بل في فلسفة الإثبات ذاتها. فإذا كان القانون الدولي يوجب اتخاذ كل التدابير الممكنة للبحث عن المفقودين وتحديد مصيرهم، فإن القانون الداخلي يجب أن يترجم ذلك في صورة قواعد إثبات مرنة، ومراكز قانونية انتقالية، وتدابير تحفظية تتيح للأسرة بعض الآثار دون أن تحسم الوفاة حسمًا نهائيًا إلا عند قيام قدر كافٍ من القرائن. وإلا فإن القانون الداخلي سيبقى أضعف من أن يحول الالتزام الدولي إلى حماية فعلية.
إن معالجة المفقودين في غزة تستدعي الانتقال من منطق ثنائي حاد ـ حي/ميت ـ إلى منطق أكثر تركيباً يعترف بوجود مركز قانوني انتقالي للمفقود. فالفقه والقانون معاً يعرفان أن المفقود ليس حياً حضوراً ولا ميتاً يقيناً، بل هو في وضعية قانونية معلقة تتطلب حلولًا خاصة. والبديل الأجدر إذن ليس فقط تسريع إعلان الوفاة أو تعطيله، بل بناء نظام تدرجي يبدأ بإثبات الفقدان، ثم يتيح للأسرة بعض الآثار القانونية المؤقتة، ثم ينتقل ـ عند اكتمال القرائن أو مضي مدة معقولة مقرونة بملابسات قوية ـ إلى الوفاة الحكمية.
هذا النموذج التدرجي ينسجم مع المادة المرجعية المرفقة، التي دعت ضمنيًا إلى أولوية القرائن على مجرد الزمن، واقترحت مقاربة مركبة تجمع بين الأدلة المادية والاحتمالية والسلطة التقديرية القضائية المسببة. ومن مزايا هذا النموذج أنه يخفف عن الأسرة دون أن يفرط في مصير المفقود: فيمكن، مثلًا، إنشاء وضع قانوني مؤقت يتيح تعيين قيّم أو مدير لأموال المفقود، وإصدار مستند رسمي يدل على الفقدان لأغراض المعونات والولاية والوصاية والإدارة، مع الإبقاء على مسألة الوفاة النهائية رهينة بقدر أعلى من التحقق.
كما أن هذا التصور ينسجم مع روح القانون الدولي. فالالتزام الدولي لا يختزل في “أعلنوا الوفاة أو لا تعلنوها”، بل يركز على البحث، والتوثيق، والإعلام، وحفظ الكرامة، وإشراك الأسرة في الحق في المعرفة. ومن ثم فإن الدولة والسلطات القائمة والجهات القضائية مطالبة بتصميم إجراءات لا تنطلق من غياب الجثمان بوصفه نهاية للتحقق، بل من غياب الجثمان بوصفه سببًا لتوسيع وسائل الإثبات البديلة. وهذا ينسجم أيضًا مع المنطق الإنساني الذي يرفض أن تتحول الأنقاض، أو انهيار المختبرات، أو غياب السجلات إلى أسباب لنفي حقوق الأسر.
سادساً: التوصيات
أولاً، هناك حاجة ملحة إلى إطار قانوني استثنائي خاص بحالات النزاع المسلح والكوارث الجماعية، ينظم أوضاع المفقودين في غزة وفلسطين عمومًا، ويميز بين الغيبة العادية والفقد في ظروف يغلب فيها الهلاك أو يتعذر فيها التحقق التقليدي. وينبغي أن يصدر هذا الإطار في صيغة تشريعية أو تنظيمية ذات سند قانوني واضح، لا أن يظل رهين تعاميم جزئية متفرقة.
ثانياً، يجب اعتماد قرائن قانونية مرنة بدل حصر الإثبات في الجثمان أو السجل الطبي المباشر. ويشمل ذلك الاعتداد بقرائن مثل: وجود الشخص في مكان تعرض لقصف مدمر، شهادات الشهود الموثوقين، انقطاع الاتصال الكامل المقترن بظروف هلاك راجحة، الصور والمقاطع الموثقة، بيانات الدفاع المدني أو فرق الإنقاذ، والسجلات المجتمعية والإنسانية. على أن تكون هذه القرائن خاضعة لتقدير قضائي معلل لا آلي.
ثالثاً، ينبغي إنشاء قاعدة بيانات وطنية موحدة للمفقودين، تكون متعددة المصادر ومترابطة بين القضاء، والداخلية، والصحة، والطب الشرعي، والهيئات الحقوقية، والبلديات، والمنظمات الدولية. فالتشتت المعلوماتي في هذا الملف ليس خللًا ثانوياً، بل أحد أسباب استمرار الضياع القانوني والإنساني.
رابعاً، يتعين تعزيز التعاون مع المنظمات الدولية، ولا سيما الجهات ذات الخبرة في ملفات المفقودين والتعرف على الرفات وتبادل المعلومات ولمّ شمل الأسر، لأن القانون الدولي يجعل من البحث عن المفقودين والتعامل مع أسرهم التزامًا لا يُنجز محليًا فقط، بل يستفيد من البنية الإنسانية الدولية كلما أمكن.
خامساً، من الضروري تبني آليات تحقق بديلة، تشمل الفحوص الجينية (DNA) متى توفرت، وأرشفة العينات البيولوجية، والتوثيق الرقمي، وتوسيع الاعتداد بالشهادات المجتمعية، وإنشاء بروتوكولات موحدة للتعامل مع الرفات مجهولة الهوية. وقد أبرزت تقارير حديثة أن حرمان غزة من أدوات الطب الشرعي والتعرف الفني عمّق أزمة المفقودين وأطال معاناة الأسر.
سادساً، يجب ضمان التوازن بين حقوق الأسر وحماية المفقودين قانونيًا، وذلك من خلال إنشاء مراكز قانونية انتقالية قبل الوفاة الحكمية النهائية. فيمكن منح الأسرة بعض الحقوق الإدارية والمالية المؤقتة، وتعيين من يدير الأموال، وتسهيل إجراءات الإعالة والوصاية، من دون ترتيب جميع آثار الوفاة فورًا. فالتوازن لا يتحقق بالتجميد الكامل ولا بالإعدام القانوني السريع للمركز القانوني للمفقود، بل بالتدرج.
خاتمة
إن قضية المفقودين في الحرب على غزة تكشف حدود القانون حين يواجه كارثة جماعية، لكنها تكشف أيضًا قابليته للتجدد إذا أُحسن تأويله وتصميم أدواته. فالرهان الحقيقي ليس على الاختيار بين الرحمة والشرعية، بل على بناء شرعية رحيمة: شرعية لا تفرط في حياة المفقود القانونية، ولا تترك الأسرة أسيرة فراغ لا ينتهي. وفي السياق الفلسطيني، تتعاظم هذه المهمة لأن الاحتلال والحرب والانهيار المؤسسي لا يكتفون بإنتاج المفقودين، بل يعوقون كذلك وسائل البحث عنهم وإثبات مصيرهم.