مقدمة
تُعدّ قضية المفقودين قسرًا واحدة من أكثر القضايا الحقوقية تعقيدًا وإيلامًا في السياق الفلسطيني، لما تنطوي عليه من تداخل عميق بين الاحتلال الاستعماري طويل الأمد، والنزاعات المسلحة المتكررة، وسياسات الإخفاء، والحرمان المنهجي من الحقيقة والعدالة، فالمفقود قسرًا لا يُختزل في كونه شخصًا غائبًا عن محيطه الأسري والاجتماعي، بل يمثل حالة قانونية وإنسانية مركّبة، تتجاوز غياب الجسد إلى تغييب الحق، وتعليق المصير، واستدامة الألم عبر الزمن
تزداد ظاهرة المفقودين قسريا خطورة، في ظل غياب آليات فعالة للتحقيق المستقل، وحرمان العائلات من الحق في المعرفة، ومنع الوصول إلى أماكن الاحتجاز أو الدفن، وعرقلة عمل المؤسسات الدولية والإنسانية، وهو ما يحوّل الاختفاء القسري من فعلٍ فردي إلى سياسة بنيوية تُستخدم كأداة للردع الجماعي وكسر النسيج الاجتماعي الفلسطيني.
اتخذت ظاهرة المفقودين قسرا أشكالا متعددة ومتداخلة في السياق الفلسطيني، حيث شملت، المفقودين خلال العمليات العسكرية والاجتياحات الواسعة، والمحتجزين الذين لم يكشف عن مصيرهم أو أماكن احتجازهم، أو الأشخاص الذين لم يكشف عن مصيرهم أو أماكن احتجازهم، أو الأشخاص الذين فقدوا تحت الأنقاض في مناطق القتال دون تمكين ذويهم من الوصول أو التحقق، والمفقودين في سياق النزوح القسري والانهيار الكامل للبنية المؤسسية والإنسانية، لا سيما في قطاع غزة منذ اندلاع حرب الإبادة الإسرائيلية في أكتوبر من العام2023.
كما أن الأثر الإنساني للاختفاء القسري لا يقتصر على الشخص المفقود فحسب، بل يمتد ليصيب العائلة بأكملها، حيث تعيش أسر المفقودين في حالة دائمة من “الفقدان المعلّق”، وهو مفهوم معترف به في الأدبيات النفسية والحقوقية، يعبّر عن معاناة مستمرة ناجمة عن غياب اليقين، واستحالة الحداد، وتعليق الحياة القانونية والاجتماعية. فالزوجات يبقين معلّقات قانونيًا، والأطفال محرومون من الاستقرار الأسري، والعائلات تعيش بين الأمل واليأس دون اعتراف رسمي أو حماية قانونية.
تكتسب قضية المفقودين في السياق الفلسطيني، بُعدًا سياسيًا وقانونيًا مضاعفًا، نظرًا لارتباطها المباشر بسياسات الاحتلال، وبمنظومة الإفلات من العقاب، وبضعف القدرة الفلسطينية الرسمية على الوصول، التوثيق، والمساءلة. كما أن تصاعد الحروب، واتساع رقعة الدمار، وتقييد عمل المنظمات الدولية، أسهم في تعميق الفجوة المعرفية حول أعداد المفقودين، وظروف اختفائهم، ومصائرهم المحتملة، ما يهدد بتحويلهم إلى “ضحايا بلا أسماء” في السردية الدولية.
إن أي معالجة لملف المفقودين قسرًا في فلسطين لا يمكن أن تظل حبيسة المقاربات الإنسانية الضيقة، بل تتطلب مقاربة شاملة قائمة على الحقوق، تدمج بين التوثيق القانوني، والدعم النفسي والاجتماعي للأسر، والمساءلة الدولية، وضمان الحق في الحقيقة والعدالة وجبر الضرر. فالمفقودون ليسوا مجرد أرقام في تقارير، بل قضية أخلاقية وقانونية تمسّ جوهر الكرامة الإنسانية، واختبارًا حقيقيًا لمدى التزام المجتمع الدولي بمبادئه المعلنة في حماية الإنسان وقت النزاعات.
انطلاقا من ذلك تسعى الورقة إلى مناقشة قضية المفقودين قسريا في السياق الفلسطيني، بوصفها إحدى أكثر القضايا الإنسانية تعقيدا والحاحا في سياق الحرب المستمرة، وإلى مناقشة السيناريوهات المحتملة لمعالجة ملف المفقودين قسريا، وتقديم توصيات سياساتية وإجرائية لأصحاب العلاقة لمعالجة هذا الملف في الإطار الوطني والدولي.
منهجية الورقة"
تستند الورقة على المنهج الوصفي التحليلي لتتبع ظاهرة المفقودين قسريا في السياق الفلسطيني، وعلى المنهج الاستشرافي لتقديم رؤية وطنية متكاملة حول الأدوات والأليات والأدوار التي يجب القيام بها لمعالجة هذا الملف الإنساني الحساس في السياق الفلسطيني. ولذلك فأن الورقة استندت على تحليل كافة الوثائق والتقارير والخطط الوطنية في معالجة هذه القضية.
هدف الورقة:
تهدف الورقة لتسليط الضوء على قضية المفقودين قسريا في السياق الغزي، خلال الإبادة، والإجراءات المتبعة من كافة الجهات ذات العلاقة في متابعة هذا الملف، وتقديم خارطة طريق فلسطينية لمعالجة الاثار السلبية الناجمة عن هذه القضية، وتقديم جملة السيناريوهات المحتملة أمام الكل الفلسطيني في هذا الإطار.
واقع ظاهرة المختفين قسرا في السياق الفلسطيني:
تبرز حالة من التفاوت الكبير بين مختلف الجهات المعنية حول أعداد المختفين قسريا في السياق الفلسطيني، وهو ما يعكس بوضوح غياب للبيانات الموحدة والدقيقة في التعاطي مع الظاهرة، ويشير إلى صعوبة التحقق من صحة الأرقام المقدمة من مختلف الجهات، وانعدام المعايير الموحدة في تصنيف المفقودين أو المختفين قسريا.
أشار تقرير خاص للمركز الفلسطيني لحقوق الإنسان حول الاختفاء القسري في قطاع غزة، إلى أن (لا يوجد عدد دقيق للفلسطينيين المفقودين في غزة حتى الآن، لكن يقدر عددهم بالآلاف. وفقا للمكتب المركزي للإحصاءات الفلسطيني، حتى يوليو 2025، أكثر من 11,000 فلسطيني مفقودون، بينهم 4,700 امرأة وطفل. أفاد مكتب الإعلام الحكومي في غزة أن ما لا يقل عن 14,222 فلسطينيا مفقودون أو محاصرون تحت الأنقاض حتى فبراير 2025)[1].
فيما تتحدث تقارير الأمم المتحدة عن نحو 4000 مفقود خلال عامين من الحرب[2]، فيما تشير تقديرات المركز الفلسطيني للمفقودين والمخفيين قسرا إلى أن عدد المفقودين والمخفيين في القطاع يتراوح ما بين (8000-9000) مفقود/ة، في حين بلغ عدد البلاغات الرسمية التي وردت حتى اللحظة نحو 5,000 بلاغ[3].
فيما أشار تقرير للهيئة الدولية لدعم حقوق الشعب الفلسطيني إلى أن العدد الفعلي للمختفين قسريا خلال الإبادة يتراوح ما بين (8000-21000) [4]وهو ما يشكل اختلافا كبيرا جدا في نطاق التقديرات لأعداد المفقودين في قطاع غزة.أما نادي الأسير الفلسطيني فلقد أبلغ عن 1000 عامل فلسطيني من غزة مختفين قسريا داخل إسرائيل منذ السابع من أكتوبر، دون أي معلومات مؤكدة عن مصيرهم[5]
تنبأ هذه التباينات في الأرقام ناتجة بشكل واضح عن غياب تسجيل موحد وصعوبات التحقيق في الوضع الميداني، إضافة إلى سياسات عدم إبلاغ رسمي من قبل الجهات الإسرائيلية، مما يزيد من حالة الغموض ويصبح معها تحديد العدد الدقيق والمصير شبه مستحيل بسبب السياسات الإسرائيلية من جهة، والتي أتاحها الوضع الفوضوي الذي نشأ على مدى عامين من الإبادة الجماعية من خلال الاعتقال الجماعي والقتل والتدمير والتهجير القسري للفلسطينيين، بالإضافة إلى استهداف فرق البحث والإنقاذ ومركباتهم. وإلى غياب الاليات التنسيقية الفلسطينية وانعدام المرجعية الواضحة في توثيق المختفين قسريا من جهة أخرى.
أسباب التناقض في البيانات:
ظاهرة المختفين قسريًا في قطاع غزة حقيقية ومعقدة ومأساوية، لكن تقدير حجمها يعاني تباينًا شديدًا في الأرقام بفعل عوامل تتعلق بضعف التوثيق، وتضارب المصادر، وسياسات عدم الإفصاح، وظروف الحرب. الجهات المعنية – محلية ودولية – تتعامل مع القضية بآليات متفاوتة، وغالبًا ما تبقى جهود التوثيق والمساءلة محدودة وغير متناسقة، وهناك جملة من الأسباب التي تؤدي إلى هذا التناقض في البيانات والأرقام الدقيقة حول ظاهرة المختفين قسريا في السياق الفلسطيني، وتتمثل في التالي
- تعدد المرجعيات وانعدام المعيار الموحد: حيث لا توجد قاعدة بيانات وطنية موحدة لحالات الاختفاء القسري في غزة، حيث تُدار المعلومات من قبل جهات متعددة (الحكومة المحلية، منظمات حقوقية، الأمم المتحدة، منظمات أسرى)، بما يعني تعدد مرجعيات التوثيق، وجميعها لديها تعريفات مختلفة لظاهرة المختفين قسريا
- غياب التنسيق المؤسسي، وضعف أنظمة الأرشفة، والنقص في أدوات الفحص والتوثيق المتقدمة، يجعل من الصعب الربط بين البيانات المتوفرة لدى هذه الجهات وتحويلها إلى مسارات واضحة لتحديد مصير المفقودين
- النقص الحاد في الموارد البشرية المتخصصة والقدرات التقنية: حيث تعاني الحالة الفلسطينية من نقص في الموارد البشرية المتخصصة في التعامل مع هذا الملف وحساسيته الشديدة ، وخاصة في مجالات إدارة البيانات، والتحليل الجنائي، والدعم النفسي المتخصص. ويتفاقم هذا التحدي في ظل غياب إطار قانوني وطني واضح ينظم قضايا المفقودين قسرًا، ويحدد مسؤوليات الجهات المختلفة، ويضمن حقوق الأسر دون المساس بحقوق المفقودين أنفسهم
- الاختلاف في أساليب الحصول على المعلومات: حيث بعض التقديرات تستند إلى إحصائيات رسمية، أو بلاغات عائلية في الحصول على المعلومات، فيما أخرى تعتمد على التقارير الحقوقية والتحقيقات الميدانية، فيما تذهب المنظمات الدولية إلى تقديرات دولية وليس محلية. وهو ما يفسر التباين الكبير في التقديرات لأعداد المختفين قسريا
- تعدد أنماط المختفين قسريا في السياق الفلسطيني: حيث لا ينحصر المختفين قسريا في نمط واحد متفق عليه، بل في عدة فئات وظروف، منها
- المعتقلون في سجون الاحتلال: دون ابلاغ ذويهم أو الجهات الحقوقية عن أماكن احتجازهم، وهو ما يعد شكلا من أشكال الاحتفاء القسري. والذي تصنفهم إسرائيل تحت بند المقاتل غير الشرعي
- المفقودين تحت الأنقاض: نتيجة القصف الإسرائيلي المكثف للمناطق السكنية، وعجز عمليات البحث والإنقاذ عن الوصول إليهم
- المفقودين خلال النزوح (التهجير القسري الداخلي): والذين فقد الاتصال بهم أثناء التنقل من الشمال للجنوب، أو التنقل خلال العمليات والاجتياحات العسكرية الإسرائيلية لكافة مناطق القطاع
الواقع الهش للتعامل مع قضية المختفين قسريًا في السياق الغزي
تُعدّ قضية المختفين قسريًا في قطاع غزة إحدى أكثر القضايا الإنسانية تعقيدًا وحساسية، ليس فقط بسبب طبيعتها المرتبطة بانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، بل أيضًا نتيجة السياق البنيوي الهش الذي تُدار ضمنه، والذي تفاقم بصورة غير مسبوقة في ظل الحرب الإسرائيلية الأخيرة، فغياب المعلومات، وتداخل أنماط الاختفاء (تحت الأنقاض، في مراكز الاحتجاز، أثناء النزوح، أو نتيجة الانقطاع القسري للاتصال)، جعل من هذه الظاهرة مساحة رمادية تتقاطع فيها المعاناة الإنسانية مع العجز المؤسسي. وفيما يلي رصد لهشاشة الواقع الفلسطيني في التعامل مع الظاهرة:
أولًا: هشاشة الإطار المفاهيمي والمؤسسي
إذ تعاني المؤسسات الفلسطينية، الرسمية وغير الرسمية، من غياب إطار وطني جامع لتعريف وتوصيف حالات الاختفاء القسري، بما يتسق مع المعايير الدولية، وعلى رأسها الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري. هذا الغياب لا يُعد مسألة إجرائية فحسب، بل يعكس ضعفًا بنيويًا في إدماج قضايا العدالة الانتقالية وحقوق الضحايا ضمن السياسات العامة، ما يؤدي إلى:
- تشتت الجهود بين جهات أمنية، حقوقية، وإنسانية دون تنسيق فعّال.
- غياب قواعد بيانات موحدة أو آليات توثيق معيارية.
- تضارب التقديرات الرقمية، ما يقوض إمكانية المساءلة والمناصرة الدولية.
ثانيًا: محدودية قدرة المؤسسات الفلسطينية المحلية: حيث تواجه المؤسسات المحلية تحديات مركبة تعيق قدرتها على التعاطي الجاد مع قضية المختفين قسريًا، من أبرزها:
- الاستنزاف المؤسسي: بفعل الحصار المزمن والحروب المتكررة، ما أضعف الكوادر، والبنية التحتية، والقدرة التقنية على التوثيق والمتابعة. وما أفرزه من تشتت مؤسسي واضح، وازدواجية في الجهود، حيث تعمل عدة جهات في المساحة نفسها دون إطار تنسيقي جامع، ما يؤدي إلى تكرار التوثيق أحيانًا، أو ضياع المعلومات في أحيان أخرى.
- تسييس العمل الحقوقي: حيث تُدار بعض الملفات الحساسة ضمن اعتبارات أمنية أو فصائلية، على حساب مقاربة حقوقية مستقلة تضع الضحايا في مركز الاهتمام.
- غياب آليات المساءلة الداخلية: سواء على مستوى التحقيق، أو الإحالة القضائية، أو حتى الإقرار الرسمي بحجم الظاهرة.
ثالثًا: قصور الاستجابة الدولية في سياق الحرب: برغم الحضور الواسع للمنظمات الدولية في قطاع غزة، إلا أن تعاملها مع قضية المختفين قسريًا يتسم بقدر كبير من التحفظ والقصور، ويتجلى ذلك في:
- هيمنة المقاربة الإغاثية الطارئة التي تُهمّش قضايا الحماية، والتوثيق، والبحث عن المفقودين لصالح أولويات البقاء.
- العجز عن الوصول إلى مناطق واسعة نتيجة العمليات العسكرية، ما يحد من القدرة على التحقق الميداني.
- تجنب الاشتباك السياسي والقانوني مع مسألة الاختفاء القسري باعتبارها جريمة دولية، خشية المساءلة أو فقدان الحياد الإنساني المزعوم.
إن هذا القصور لا يعكس فقط ضعف الأدوات، بل يشير إلى أزمة أعمق في منظومة الحماية الدولية حين تُختبر في سياق استعمار استيطاني وحرب إبادة.
رابعًا: الحرب كعامل مُضاعِف للاختفاء المؤسسي: في ظل الحرب الحالية، لم تعد ظاهرة الاختفاء القسري حدثًا استثنائيًا، بل تحولت إلى نتيجة شبه بنيوية للعنف المنظم، حيث:
- تُدمّر السجلات المدنية والمستشفيات ومراكز الشرطة.
- تُقتل عائلات بأكملها دون شهود.
- يُعتقل آلاف المدنيين دون إبلاغ ذويهم أو تمكين أي جهة من تتبع مصيرهم.
في هذا السياق، يصبح الاختفاء ليس فقط جريمة ضد الفرد، بل شكلًا من أشكال محو الذاكرة الجمعية، وتفكيك الروابط الاجتماعية، وإدامة الصدمة الجماعية.
إن هشاشة التعامل مع قضية المختفين قسريًا في غزة ليست ناتجة عن غياب النوايا، بل عن تضافر عوامل بنيوية: ضعف المؤسسات، وتآكل السيادة، وانحياز النظام الدولي، وتحول الحرب إلى بيئة طاردة للحقيقة. وعليه، فإن أي مقاربة جادة لهذه القضية تتطلب الانتقال من إدارة الأزمة إلى بناء منظومة حماية متكاملة، تُعيد الاعتبار للضحية، وتُحمّل الفاعلين—محليين ودوليين—مسؤولياتهم القانونية والأخلاقية.
التحديات الأساسية في التعامل مع الظاهرة
- غياب المعلومات الواضحة من الجهات الرسمية وخصوصا الإسرائيلية فيما يتعلق بمصير المختفين يجعل من الصعب تحديد مصيرهم، ويمكن من بقاء الآلاف منهم فيما يشبه المقبرة القانونية غير المعترف بها
- ضعف أنظمة التوثيق: إذ أن البيانات المتناقضة والقائمة على اختلاف الطرق في جمع المعلومات، تنتج أرقام موثوقة يمكن الاستناد إليها في بناء رأي عام دولي، وهو ما يكشف ضعف أنظمة التوثيق المعمول بها حتى الان
- صعوبة الوصول الميداني: نتيجة استمرار القصف ومنع الوصول إلى المناطق المسيطر عليها إسرائيليا في قطاع غزة حتى الأن، إضافة للدمار الكبير، وغياب المعدات اللازمة للبحث عن المفقودين تحت الأنقاض يعيقون بشكل كبير قدرة الفرق الحقوقية على التحقق من البلاغات العائلية
- سياسات عدم الإفصاح: حيث ترفض العديد من العائلات من الإبلاغ عن ذويهم نتيجة خوفهم من الملاحقة الأمنية الإسرائيلية، مما يجعلهم يحجبون المعلومة عن مصير أبنائهم وذويهم
العوامل المؤدية لتفاقم الظاهرة في السياق الفلسطيني
تتجلي في السياق الفلسطيني العديد من العوامل البنيوية والميدانية المتشابكة والتي ساهمت أو تساهم حتى اللحظة في تفاقم ظاهرة المفقودين قسريا وهي على النحو التالي
- القصف المكثف واستخدام المفرط للقوة التدميرية: حيث أدى القصف الجوي والمدفعي المكثف للأحياء السكانية المأهولة بالسكان المدنيين في قطاع غزة إلى انهيار هائل في البنية الحياتية وخلق حالة من الاختفاء الحقيقي والممنهج للمدنيين تحت الأنقاض دون إمكانية للوصول أو التوثيق
- الدفن غير الموثق والمقابر المؤقتة والجماعية: حيث بسبب انهيار المنظومة الصحية وسجلات الدفن الرسمية، نتيجة القصف، لجأت الجهات الرسمية الصحية المحلية في العديد من المناطق إلى ممارسات دفن اضطرارية وغير موثقة، تضمنت دفن الضحايا بدون سجلات او توثيق. وهو ما أدى لحرمان الأسر من معرفة مصير ذويها
- النزوح القسري المتكرر وتفكك الأسر: ساهمت موجات النزوح القسري المتكرر في تشتت الأسر وفقدان الاتصال بين أفرادها، مما جعل حالات الانفصال تتحول إلى حالات فقدان مفتوحة ومعلقة دون آليات واضحة للتتبع والاستعادة
- تدمير السجلات المدنية والطبية والمؤسسية: أدى القصف المتواصل واستهداف المؤسسات المدنية لتدمير السجلات الطبية والمدنية، وهي التي تعتبر الأساس في توثيق حالات المفقودين وتحديد هوياتهم، وبطهم بعائلاتهم
- الاعتقال أو الاحتجاز غير المعلن، وعدم الإفصاح عن المعتقلين وأماكن احتجازهم: حيث مارست إسرائيل خلال الإبادة سياسة الاعتقال وفق قانون المقاتل غير الشرعي، للألاف من سكان قطاع غزة، سواء خلال عملياتها العسكرية داخل المدن في القطاع، أو من خلال مصيدة النزوح على حاجز نتساريم التي طالبت المواطنين بعبوره من الشمال للجنوب، ورافق ذلك عدم تعاون السلطات الإسرائيلية مع الجهات الدولية ذات العلاقة في الإفصاح عن المعتقلين أو مواقع احتجازهم، مما جعلهم في دائرة الاختفاء القسري، وإحالة مصيرهم إلى دائرة المجهول
- غياب الية وطنية موحدة للتوثيق والمتابعة: بالرغم من جهود المؤسسات الحقوقية الأهلية، إلا أن هناك غياب لأي آلية وطنية موحدة وفعالة لتوثيق المفقودين قسرا، وكذلك في تنسيق المعلومات بين مختلف الجهات ذات الاختصاص، مما أدى لتشتت البيانات وتضارب الأرقام، وصعوبة رسم صورة موثوقة عن حجم الظاهرة. مع العلم أن غياب اليات توثيق فعالة يعد اختلالا بالتزامات الدول أو الجهات القائمة بالسيادة في ضمان حماية الحقوق حتى في ظل النزاعات وذلك من منظور القانون الدولي
التداعيات والأثار المترتبة على ظاهرة المفقودين قسرا:
لا تُقاس مأساة المفقودين في قطاع غزة بعدد الغائبين فحسب، بل بعمق الفراغ الذي يخلّفونه في حياة الأسر والمجتمع، وبثقل الانتظار الذي يتحوّل إلى معاناة يومية مفتوحة بلا نهاية. فحين يُنتزع الإنسان من سياقه دون أثر أو معلومة، لا يتوقف الضرر عند حدود الفرد، بل يمتد ليصيب الأسرة في استقرارها، والمجتمع في تماسكه، والذاكرة الجماعية في قدرتها على الاحتفاظ بمعناها
إن ظاهرة المفقودين، في سياق حرب شاملة وانهيار منظومات الحماية، تُنتج أزمة إنسانية مركبة تتقاطع فيها الصدمة النفسية مع التفكك الاجتماعي، ويتحوّل فيها الغياب القسري إلى انتهاك مستمر للحق في الكرامة، والمعرفة، والعدالة. من هذا المنطلق، لا يمكن مقاربة قضية المفقودين بوصفها ملفًا إنسانيًا طارئًا فحسب، بل كمسألة حقوقية ومجتمعية عميقة تهدد أسس التضامن الاجتماعي، وتضع المجتمع الغزي بأكمله أمام اختبار قاسٍ لقدرة الإنسان على الصمود دون حقيقة، ودون إنصاف. وفيما يلي أبرز التداعيات والآثار الإنسانية على الأفراد والأسر والنسيج الاجتماعي برمته
أولا: الآثار الإنسانية
- ألم الانتظار والمجهولية النفسية: حيث يولد غياب المعلومات حول مصير المفقودين شكلا من أشكال العذاب القسري المستمر لدى العائلات والذي يتجاوز حد الحزن التقليدي ليصبح نوعا من الصدمة الممتدة، والتي ترافقها كوابيس الانتظار والقلق وعدم اليقين، وهو ما يزيد معدلات الاكتئاب والقلق المزمن، ويصعب من قدرة الأفراد على معالجة حزنهم أو انخراطهم في أنشطة حياتية طبيعية. يشير تقرير الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان إلى أن الآثار النفسية والاجتماعية للمفقودين والمختفين قسريا تشمل عائلات كاملة تعيش بين الأمل واليأس، هو ما يضعها في ضغوط هائلة تؤثر على التماسك الأسري ويؤدي إلى اضطرابات في العلاقات داخل الأسرة نفسها[1]
- تفكك العلاقات الأسرية والمجتمعية: يؤدي غياب الأب أو المعيل أو الأخ أو الابن يخلق خللًا وظيفيًا داخل الأسرة؛ فالأسرة لم تعد وحدها تواجه الحاجة إلى المعيشة والحماية العاطفية، بل تُصبح أيضًا في حالة حيرة مستمرة حول طريقة التعامل مع غياب فرد مهم في بنيتها، وهو ما يولّد في كثير من الأحيان إعادة توزيع الأدوار بصورة مفاجئة – كتحويل الأطفال إلى معيلين أو تكليف الأمهات بأدوار متعددة – مما يضغط على الأنظمة الأسرية ويُضعف استقرارها
أما على مستوى المجتمع الأوسع، يمثل هذا الغياب شكلاً من الانقطاع في العلاقات الجماعية؛ إذ تُفقد أدوار اجتماعية مهمة (المعلّم، القائد المجتمعي، المؤنس، الخ)… ما يُضعف إحساس الانتماء ويُمدّد فترات الفقدان الجماعي التي تعيق استعادة الاستقرار الاجتماعي
- تدمير النسيج الاجتماعي والرموز الجماعية: غياب الأفراد لا يترك أثره فقط في الأسرة، بل في المجتمع ككل؛ إذ إن حكايات المفقودين – خاصة أولئك الذين تركوا بصمات في النسيج الاجتماعي المحلّي – تتحوَّل إلى قصص معطوبة في الذاكرة الجمعية. فهؤلاء لا يُعبَّر عنهم فقط كأرقام، بل كأسماء وصور وذكريات تربطهم بأدوار مشتركة في الحياة اليومية. ويُعد هذا الفقدان ضربة لأنظمة الذاكرة الجماعية التي تُعدّ أساسية في بناء الهوية والانتماء الجماعي
- تهديد الذاكرة الجماعية والمستقبل الاجتماعي: الاختفاء القسري الطويل – دون معرفة المصير – لا يترك فقط أثرًا فوريًا، لكنه يترك ثقوبًا في الذاكرة الجماعية. فبدل أن تُصان الصور والذكريات المشتركة، تبدأ فجوات الذاكرة في الظهور مع مرور الوقت، ما قد يخلق شرخًا في نقل التاريخ الشخصي والعائلي إلى الأجيال القادمة، وبالتالي تفكّك الروايات الجماعية وتشتت الارتباطات الاجتماعية والثقافية
- ضعف قدرة المجتمع في توفير شبكات أمان فعالة للجميع: المجتمع المحلي والأسر الواقعة تحت الضغط الإضافي لتقديم الدعم – سواء معنويًا أو ماديًا – يواجه تحديات تكاملية كبرى، إذ تُستنزف موارد الدعم المتاحة (الأقارب، والجيران، والمنظمات)، خصوصا في ضوء الأزمات المالية المباشرة لدى أسر المفقودين، إذ يتراجع الدخل الأسري لديهم في وقت لازالت فيه الأعباء المعيشية، ولا سيما في سياق الحرب والاستنزاف الاقتصادي، في أقصى درجاتها. هذا الضعف الاقتصادي ينعكس على التعليم، الصحة، والتغذية داخل الأسرة، مما يُفاقم الفقر ويُأخر فرص التعافي
ثانيا: التداعيات على العدالة وحقوق الإنسان
حيث يمثل غياب المعرفة الدقيقة عن مصير المفقودين عقبة أمام فتح تحقيقات مستقلة وفعالة، ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات وتوفير ضمانات لعدم تكرارها، وهو ما يعوق الوصول للعدالة. ويؤدي إلى الإفلات من العقوبة بحسب الاتفاقية، وخو ما ينعكس على فقدان الثقة بالقانون[2]
- التداعيات الحقوقية: غياب المعلومات الدقيقة حول مصير المفقودين يعد انتهاك واضحا للحق في الحياة والاعتراف بالشخصية القانونية كما وضحها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، واللذان يؤكدان على هذين الحقين بوضوح. كما يؤثر على الحق في الحقيقة والذي يتمثل في أن يكون لدى الأسر والمجتمع فهما واضحا لما حدث وكيف حدث ومن المسئول لذلك فإن ذلك يعد انتهاكًا لحق المجتمع في الحقيقة، وهو حق معترف به في سياقات انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، بما في ذلك من قبل مجلس حقوق الإنسان للأمم المتحدة
رابعا: التداعيات المؤسسية والسياسية: وتتمثل في
- الإضعاف المؤسسي: حيث أن غياب آلية وطنية موحّدة لتوثيق الحالات ينعكس على: عدم وجود سجل مركزي للمفقودين، وازدواجية البيانات بين جهات مختلفة، وضعف التنسيق بين مؤسسات المجتمع المدني والجهات الحكومية، وهذا ينعكس على ضعف قدرة الدولة أو المؤسسات الحقوقية على تقديم سردية قانونية متماسكة أمام الآليات الدولية.
- هزّ الثقة بالمؤسسات والأطر التنظيمية: غياب آليات قوية وجامعة للتوثيق، والمماطلة أو عدم وجود دعم رسمي موثّق للأسر المتضررة من الاختفاء القسري، يُساهم في تفكّك الثقة بالمؤسسات المحلية والدولية. هذا يخلق شعورًا بالهشاشة تجاه الأجهزة القانونية والإدارية، ويُضعف مشاركة المجتمع في مبادرات إعادة الإعمار أو التوثيق الرسمي، لأن الأسر قد ترى أن هذه المؤسسات لا تلبي طموحاتها أو لا تُوفّر آليات فعّالة للعدالة الإنسانية
ظاهرة المفقودين في قطاع غزة تمثل جريمة إنسانية متعددة الطبقات، تتجاوز في آثارها الحزن الفردي لتشقّ نسيج الأسرة، وتطيح بالتماسك الاجتماعي، وتؤدي إلى انعدام اليقين النفسي، وتخلق أزمات اقتصادية واجتماعية مستمرة. إن غموض المصير وانعدام المعلومات المنظمة يتسببان في جروح نفسية وبنية اجتماعية هشة، تمتد آثارها إلى ما بعد الحرب نفسها، وتُضعف قدرة المجتمع على التعافي الكامل إن لم تتوفر آليات فعّالة للبحث، التوثيق، والمساءلة
المآلات المحتملة في حال استمرار المعالجة الجزئية لقضية المفقودين قسرًا
إن استمرار التعامل مع قضية المفقودين قسرًا بوصفها ملفًا ثانويًا، أو إنسانيًا ظرفيًا، دون مقاربة شاملة قائمة على الحقوق والمساءلة، يفضي إلى جملة من المالات الخطيرة على المستويات الإنسانية، الاجتماعية، القانونية، والسياسية
أولًا: المآلات الإنسانية والنفسية: إن تحوّل الفقدان إلى معاناة مزمنة وعابرة للأجيال: ففي ظل غياب كشف المصير أو الاعتراف الرسمي، ستظل آلاف الأسر تعيش حالة الفقدان المعلّق (Ambiguous Loss)، ما يؤدي إلى[3]
- اضطرابات نفسية مزمنة (PTSD، اكتئاب، قلق حاد)، وانتقال الصدمة إلى الأطفال والأجيال اللاحقة، والعجز الدائم عن إتمام الحداد أو إعادة بناء الحياة، وهو ما يعني تحوّل قضية المفقودين إلى أزمة صحة نفسية جماعية طويلة الأمد، تفوق قدرة أنظمة الدعم المجتمعي المحدودة
- . تطبيع المعاناة وفقدان الحس الإنساني العام: فالتعامل الجزئي والمتقطع يُنتج نوعًا من التكيّف القسري مع الغياب، حيث يتحول المفقود من قضية إنسانية عاجلة إلى رقم مؤجل في الوعي العام. وهو ما يؤدي لتأكل الحس الأخلاقي الجمعي تجاه الضحايا، وضمور الضغط المجتمعي للمطالبة بالحقيقة والعدالة
ثانيًا: المآلات الاجتماعية والبنيوية: حيث أم غياب الحلول الشاملة من شأنه إن يؤدي إلى[4]
- تفكك متزايد في النسيج الاجتماعي، حيث تزداد هشاشة الأسر المتضررة اقتصاديًا واجتماعيًا، وتتعمق الفجوة بين أسر المفقودين وبقية المجتمع ويضعف التضامن المجتمعي لصالح النجاة الفردية، وهو ما يؤدي إلى مجتمع مُنهك، أقل قدرة على التعافي، وأكثر عرضة للتشظي الاجتماعي وفقدان الثقة الداخلية
- تآكل الثقة بالمؤسسات المحلية والحقوقية: فاستمرار غياب آلية وطنية موحدة، أو الاكتفاء بمبادرات مجزأة، سيؤدي إلى: فقدان ثقة العائلات بالجهات الرسمية، والشعور المتزايد بالتخلّي والخذلان المؤسسي، وعزوف الأسر عن التعاون مع عمليات التوثيق مستقبلًا، وهو ما يعني انقطاع خطير بين الضحايا والمؤسسات، ما يقوّض أي جهود لاحقة للعدالة أو التوثيق
ثالثًا: المآلات القانونية والحقوقية: إذ أن ضياع الأدلة وتعذّر المساءلة مستقبلًا والمعالجة الجزئية تعني[5]
- تآكل الذاكرة المادية (سجلات، شهود، مواقع دفن)، وصعوبة ربط المسؤوليات الفردية أو المؤسسية، وهو ما يؤدي لإغلاق فعلي لمسارات العدالة الدولية مستقبلًا، حتى لو توفرت الإرادة السياسية لاحقًا
- ترسيخ الإفلات من العقاب كقاعدة وعدم تحويل قضية المفقودين إلى ملف مساءلة قانونية سيؤدي إلى: تكريس الاختفاء القسري كأداة مقبولة في النزاعات، وغياب الردع القانوني، وإضعاف مكانة القانون الدولي الإنساني في السياق الفلسطيني، وهو ما يؤدي إلى تحوّل الاختفاء القسري من جريمة استثنائية إلى ممارسة اعتيادية بلا كلفة قانونية
رابعًا: المآلات السياسية والاستراتيجية: التعامل الجزئي، غير الممنهج، يؤدي إلى[6]
- تآكل السردية الحقوقية الفلسطينية دوليًا ويُضعف القدرة على تقديم ملف متماسك أمام الآليات الدولية، وحشد الدعم القانوني والسياسي وإدراج القضية ضمن مسارات العدالة الانتقالية، وهو ما من شأنه أن يودي إلى تحييد قضية المفقودين من النقاش الدولي، وحصرها في البعد الإنساني الإغاثي فقط
- إعادة إنتاج العنف مستقبلاً: فغياب الحقيقة والعدالة لا يُنهي الصراع، بل يؤجله. وتظهر التجارب الدولية أن تجاهل ملفات المفقودين يؤدي لشعور جمعي بالظلم، وتراكم الغضب غير المعالَج، وقابلية أعلى لانفجارات عنف لاحقة وهو ما يعني ان تحوّل قضية المفقودين إلى عامل عدم استقرار طويل الأمد، يعيق أي مسار سلام أو تعافٍ حقيقي
خامسا: التطبيع مع الغياب: وربما هو المآل الأخطر في تحويل المفقودين لضحايا دون أن أسماء، بلا ملفات، بلا اعتراف قانوني، بلا مكان في الذاكرة الوطنية، وهو ما يعني طمس الضحايا مرتين: مرة بالاختفاء، ومرة بالنسيان
يمكن القول إن استمرار التعامل الجزئي مع قضية المفقودين قسرًا لا يعني الجمود، بل يعني الانحدار التدريجي نحو: أزمة إنسانية مزمنة، وتفكك اجتماعي صامت، وإفلاس قانوني في مسارات العدالة، وإعادة إنتاج العنف والظلم، فالمعادلة واضحة كل تأجيل للحقيقة هو استثمار في الألم
السيناريوهات المحتملة للتعامل مع ظاهرة المفقودين في السياق الفلسطيني
في ظل الإبادة الجارية في قطاع غزة، لم تعد قضية المفقودين قسرًا حالة إنسانية عابرة، بل تحوّلت إلى ملف مركزي يكشف طبيعة العنف المنهجي وحدود النظام الدولي في الاستجابة له. إن غياب المعلومات، وتعدد الجهات الفاعلة، وانهيار منظومات التوثيق والمساءلة، يفتح المجال أمام مسارات مختلفة لمستقبل هذه القضية، تتراوح بين التذويب والنسيان، وبين كشف الحقيقة والمحاسبة. وعليه، فإن استعراض السيناريوهات المحتملة لا يهدف إلى التنبؤ بقدر ما يسعى إلى فهم اتجاهات الفعل واللا فعل، وتقدير مآلات قضية ستظل، ما لم تُعالج جذريًا، جرحًا مفتوحًا في الذاكرة الجماعية والضمير الإنساني. وفيما يلي السيناريوهات المحتملة في التعامل مع هذه القضية
السيناريو | الوصف | المرتكزات | النتائج | التقدير |
التذويب الصامت للقضية (السيناريو الأسوأ) | تُترك قضية المفقودين دون مسار واضح، ويتم تمييعها عبر الزمن، لتُدمج ضمن أرقام القتلى أو المجهولين دون تحقيقات مستقلة. | - إستمرار منع الوصول إلى أماكن الاحتجاز أو المقابر الجماعية.
- غياب آلية دولية مستقلة للتقصي.
- إنهاك الأسر نفسيًا واقتصاديًا.
| - فقدان الحق في الحقيقة.
- إغلاق قانوني غير معلن للملف.
- إعادة إنتاج الصدمة عبر الأجيال.
- تكريس الإخفاء القسري كأداة حرب مشروعة بحكم الأمر الواقع.
| مرتفع الاحتمالية على المدى القصير إذا استمر الجمود الدولي. |
الإدارة الإنسانية دون عدالة (سيناريو الاحتواء) | التعامل مع القضية إنسانيًا فقط (دعم نفسي، مساعدات للأسر) دون أي مسار للمحاسبة أو كشف المصير. | - تدخل منظمات إنسانية بحتة.
- خطاب دولي يركز على “التخفيف” لا “المساءلة”.
- تغييب المقاربة الحقوقية.
| - تخفيف جزئي لمعاناة الأسر.
- استمرار الغموض القانوني.
- تحويل المفقود إلى “حالة اجتماعية” لا “جريمة سياسية”.
| مرجّح في المدى المتوسط، ومفضل دوليًا لكونه الأقل كلفة سياسية. |
فتح مسار كشف الحقيقة دون محاسبة كاملة | تحت ضغط حقوقي وإعلامي، يتم فتح قنوات جزئية لكشف مصير بعض المفقودين (قوائم، رفات، معلومات غير مكتملة)، دون الوصول إلى محاسبة شاملة. | - ضغط عائلات الضحايا.
- تدخل لجان أممية محدودة الصلاحيات.
- توظيف سياسي انتقائي للملف.
| - كشف مصير جزئي.
- إغلاق رمزي لبعض الملفات.
- استمرار الإفلات من العقاب على المستوى البنيوي.
| متوسط الاحتمالية، ويعتمد على مستوى الحشد الحقوقي الفلسطيني والدولي. |
التدويل والمساءلة (السيناريو الأفضل – الأقل احتمالًا) | تدويل قضية المفقودين باعتبارها جريمة إخفاء قسري ممنهجة، وفتح تحقيقات مستقلة تقود إلى مساءلة قانونية. | - توثيق مهني شامل.
- ربط القضية بجرائم الإبادة والجرائم ضد الإنسانية.
- تحالف حقوقي عابر للحدود.
| - الاعتراف القانوني بحق الأسر في الحقيقة.
- إنشاء آلية بحث وتحديد مصير.
- إدراج الجريمة ضمن ملفات المحاكم الدولية.
| ضعيف على المدى القصير، لكنه استراتيجي على المدى الطويل. |
الخاتمة:
لا تمثّل ظاهرة المفقودين قسرًا في غزة مجرد ملف إنساني عالق أو نتيجة جانبية للحرب، بل هي جرحٌ مفتوح في بنية المجتمع، وانتهاك مركّب يتجاوز غياب الجسد إلى مصادرة الحقيقة، وتعليق العدالة، واستدامة الألم عبر الزمن، فالمفقود ليس غائبًا فحسب، بل هو حاضرٌ قسرًا في حياة أسرته، في انتظارٍ بلا نهاية، وفي حدادٍ بلا قبور، وفي قانونٍ عاجز عن الاعتراف الكامل بالفقد أو إنصافه
تكشف هذه الظاهرة عن فشلٍ مزدوج: فشل منظومة الحماية الدولية في منع الجريمة أو مساءلة مرتكبيها، وفشل الاستجابات الإنسانية التقليدية في التعامل مع المفقودين كقضية حقوقية مركّبة تتطلب أدوات قانونية، ونفسية، واجتماعية، ومعلوماتية متكاملة. كما تبرز هشاشة الأطر الوطنية في ظل الإبادة، وتآكل السجلات، وتدمير البنية المؤسسية، بما يحوّل الغياب إلى حالة دائمة، لا حدثًا استثنائيًا
من هنا، فإن معالجة ملف المفقودين في غزة لا يمكن أن تُختزل في جهود توثيق متفرقة أو مبادرات تضامنية رمزية، بل تستدعي تحولًا سياساتيًا ومنهجيًا يعيد تعريف المفقود كصاحب حق، والأسرة كضحية مستقلة، والدولة والمجتمع الدولي كأطراف ملزمة لا متطوعة. ويقتضي ذلك الانتقال من منطق الاستجابة الطارئة إلى منطق العدالة المؤجلة ولكن غير المتروكة، ومن الإغاثة إلى المساءلة، ومن التعاطف إلى الفعل المؤسسي
إن التوصيات السياساتية والإجرائية المقترحة في هذه الورقة لا تأتي بوصفها حلولًا تقنية معزولة، بل كمسار متكامل يربط بين الاعتراف القانوني، وبناء قواعد البيانات، وحماية الأسر، والدعم النفسي والاجتماعي، والتوثيق الجنائي، والضغط الدولي، باعتبارها حلقات في سلسلة واحدة لا تكتمل العدالة دون اكتمالها جميعًا. فكل توصية غير منفّذة تعني عائلة إضافية معلّقة بين الأمل والإنكار، وكل تأخير في الفعل هو تمديد غير مرئي للجريمة نفسها
ختامًا، فإن قضية المفقودين في غزة هي اختبار أخلاقي وقانوني حاسم: إما أن تُترك لتتآكل في هوامش التقارير، أو أن تُستعاد إلى مركز الفعل السياسي والحقوقي بوصفها قضية حياة وكرامة وحق في الحقيقة. فالعدالة للمفقودين لا تبدأ بالعثور عليهم فقط، بل بالاعتراف بأن غيابهم ليس قدرًا، وأن الصمت عنهم ليس حيادًا، وأن إنصافهم – ولو متأخرًا – هو الحد الأدنى من الإنسانية الممكنة في زمن الإبادة
التوصيات
أولا: توصيات سياساتية
يتطلب تطوير التعامل المؤسسي مع ظاهرة المفقودين قسرًا في قطاع غزة انتقالًا من منطق الاستجابة الطارئة إلى نهج مؤسسي منظم ومستدام. وعلى المستوى التنظيمي، وهو ما يبرز الحاجة إلى
- إنشاء آلية وطنية أو تنسيقية موحدة تُعنى بملف المفقودين، على أن تُحدد جهة مرجعية واضحة تقود هذا الملف، وتعمل وفق إجراءات تشغيل قياسية تضمن وضوح الأدوار وتكامل الجهود بين مختلف الجهات المعنية. وذلك من خلال إنشاء إطار وطني/شبه وطني لإدارة الملف عبر تشكيل هيئة مستقلة أو لجنة وطنية للمفقودين، تضم حقوقيين، أطباء شرعيين، وممثلين عن الأسر، وذلك لفصل الملف عن التجاذبات السياسية، بما يحقق بناء ثقة مجتمعية، واستدامة العمل
- تشكيل قاعدة بيانات مركزية وأمنة على صعيد التوثيق والمعلومات، كخطوة أساسية لضمان تجميع وتوثيق المعلومات وتحليلها بشكل منهجي، وهوا ما يعني توحيد نماذج جمع البيانات، وربط المعلومات المستقاة من الأسر مع الأدلة الطبية، والشهادات الميدانية، وبيانات المستشفيات والدفاع المدني، بما يسهم في تضييق فجوة الغموض حول مصير المفقودين
- إعداد إطار قانوني وطني خاص بحالات الفقدان القسري يعد أمرًا ضروريًا لتنظيم الإجراءات، وحماية حقوق الأسر، وتسهيل معاملاتهم القانونية، دون اتخاذ قرارات نهائية تمس بحقوق المفقودين في حال ثبوت بقائهم على قيد الحياة. ويجب أن يراعي هذا الإطار خصوصية السياق الفلسطيني ومعايير القانون الدولي الإنساني
- تصميم برامج دعم نفسي طويلة الأمد تستهدف أسر المفقودين، وتدريب كوادر متخصصة قادرة على التعامل مع حالات الحداد الغامض والصدمة الممتدة. كما يُعد إشراك المجتمعات المحلية في آليات الإبلاغ والمتابعة عنصرًا مهمًا لتعزيز الثقة وتوسيع نطاق الوصول إلى المعلومات
- ينبغي تفعيل آليات الأمم المتحدة ذات الصلة، وتعزيز التعاون مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر والهيئات الدولية المختصة، من خلال حملات المناصرة الدولية بما يسهم في تبادل المعلومات والضغط من أجل الكشف عن مصير المفقودين، كما يشكل التوثيق المؤسسي المنهجي أداة مركزية في مسارات المساءلة الدولية، وضمان عدم إفلات مرتكبي الانتهاكات من العقاب
- الاعتراف القانوني والسياسي بظاهرة المفقودين قسرًا: وذلك من خلال إقرار توصيف رسمي لحالة المفقودين قسرًا في غزة كقضية حقوق إنسان مستقلة، وليست “أثرًا جانبيًا للحرب”، لنقل القضية من الهامش الإنساني إلى صلب الأجندة الحقوقية والقانونية الدولية. وفتح مسارات مساءلة دولية، وتوحيد التعاطي المؤسسي مع الملف
- اعتماد تعريف وطني موحّد للمفقود قسرًا: عبر تطوير تعريف وطني جامع يشمل (المفقود تحت الأنقاض، المعتقل غير المعلن، المختفي أثناء النزوح، مجهول المصير)، لمنع التلاعب الإحصائي، وتوحيد قواعد البيانات، وهو ما من شأنه تحسين دقة التوثيق، وتفادي تشتت الجهود
- ربط الملف بمسارات إعادة الإعمار والعدالة الانتقالية: وذلك بربط أي تسويات أو برامج إعادة إعمار بملف المفقودين، لمنع “النسيان المؤسسي” تحت ضغط الإعمار، وحفظ الحق في الحقيقة قبل طيّ الصفحة سياسيًا
ثانيًا: توصيات إجرائية (على مستوى التنفيذ والتدخل الميداني)
- إنشاء قاعدة بيانات مركزية وآمنة للمفقودين: تطوير نظام رقمي موحّد يشمل البيانات الشخصية، ظروف الاختفاء، الأدلة المتاحة، من خلال المؤسسات الحقوقية المحلية، وبدعم تقني دولي. مع مراعاة أمن البيانات وحماية الشهود
- تفعيل فرق توثيق ميداني متخصصة: عبر تدريب فرق محلية على التوثيق وفق المعايير الدولية (Istanbul Protocol) لتقليل الفجوة بين الحدث والتوثيق، ورفع مصداقية الأدلة أمام الهيئات الدولية
- دعم الطب الشرعي والتعرف على الجثامين: من خلال توفير مختبرات متنقلة، ودعم تقنيات DNA، لتقليص أعداد “مجهولي الهوية”، ومنح الأسر حدًا أدنى من اليقين (حتى في حال الوفاة)
- إنشاء آليات تواصل ودعم للأسر: عبر مراكز إرشاد نفسي-قانوني لأسر المفقودين، للتعامل مع الأثر المركّب (النفسي، القانوني، الاجتماعي)، والحد من الانهيار الاجتماعي للأسر، وتعزيز صموده
- توثيق شهادات الأسر كأدلة قانونية: بتسجيل إفادات الأسر بشكل قانوني ومنهجي، وتحويل المعاناة إلى شهادة، لبناء سردية قانونية مضادة للإنكار
- إطلاق حملات مناصرة دولية موجهة: من خلال حملات إعلامية لا تعتمد العاطفة فقط، بل الأرقام والقصص الموثّقة، لكسر الصمت الدولي الانتقائي، وإدراج القضية في تقارير ومداولات رسمية
- دمج قضية المفقودين في خطط الاستجابة الإنسانية (HRP/OCHA): من خلال إشراك أسر المفقودين في تصميم السياسات الخاصة بالملف، وربط التمويل الإنساني بمعايير التوثيق والمساءلة. وإنتاج تقارير دورية (Quarterly Briefs) مخصصة للمانحين وصنّاع القرار
مراجع الورقة
- - الأمم المتحدة: " الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري"، https://www.ohchr.org/ar/instruments-mechanisms/instruments/international-convention-protection-all-persons-enforced
- القانون والسياسية: "الإطار القانوني الدولي للمفقودين "
https://missingpersons.icrc.org/ar/law-policies
- المركز الفلسطيني للمفقودين والمختفين قسريا : " مأساة المفقودين والمخفيين قسرًا أحد أكثر وجوه قسوة للإبادة الجماعية في غزة"، أكتوبر 2025، https://pcmfd.org/?p=4563
- بسمة أبو معمر: " الآثار النفسية والاجتماعية للحرب على سكان غزّة" العربي الحديد، 27/10/2025، https://www.alaraby.co.uk/blogs/%D8%A7%D9%84%D8%A2%D8%AB%D8%A7%D8%B1-%D8%BA%D8%B2%D8%A9
- رفقة حجازي: " المفقودون في غزة: معاناة إنسانية مستمرة وسط الدمار"، مجلة الدراسات الفلسطينية، 4/6/2025، https://www.palestine-studies.org/ar/node/1657391
- محمود إبراهيم: " التأثيرات الاجتماعية والاقتصادية لفقدان الأب على الأسرة"، https://search.mandumah.com/Record/427618
- https://missingpersons.icrc.org/ar/law-policies
- https://www.icrc.org/sites/default/files/external/doc/ar/assets/files/other/model-law-missing-0209-ara.pdf
[1]الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان: تقرير خاص" المفقودين والاختفاء القسري في قطاع غزة"، 2025، https://www.ichr.ps/public/page/124909?utm_source
[2]https://missingpersons.icrc.org/ar/law-policies
[3] بسمة أبو معمر: " الآثار النفسية والاجتماعية للحرب على سكان غزّة" العربي الحديد، 27/10/2025، https://www.alaraby.co.uk/blogs/%D8%A7%D9%84%D8%A2%D8%AB%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%81%D8%B3%D9%8A%D8%A9-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AC%D8%AA%D9%85%D8%A7%D8%B9%D9%8A%D8%A9-%D9%84%D9%84%D8%AD%D8%B1%D8%A8-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%B3%D9%83%D8%A7%D9%86-%D8%BA%D8%B2%D8%A9
[4]رفقة حجازي: " المفقودون في غزة: معاناة إنسانية مستمرة وسط الدمار"، مجلة الدراسات الفلسطينية، 4/6/2025، https://www.palestine-studies.org/ar/node/1657391
[5]- https://www.icrc.org/sites/default/files/external/doc/ar/assets/files/other/model-law-missing-0209-ara.pdf
[6]https://pcmfd.org/?p=1916
اشخاص لم يحدد مصيرهم بعد الاختطاف أو الاعتقال غير المعلن[1]
[1]- ديان بول: " لا وصول، لا معلومات: آلاف من سكان غزة "اختفوا بالقوة" على يد القوات الإسرائيلية"، 12 فبراير 2024، https://israelpalestinenews.org/no-access-no-information-thousands-of-gazans-forcibly-disappeared-by-israeli-forces
[1]- المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان: تقرير: " في اليوم الدولي لضحايا حالات الاختفاء القسري: سياسة إسرائيل في الاختفاء القسري كركيزة للإبادة الجماعية في غزة" 30 أغسطس 2025، https://pchrgaza.org/on-the-international-day-of-the-victims-of-enforced-disappearances-israels-policy-of-enforced-disappearance-as-a-pillar-of-genocide-in-gaza
[2]الأمم المتحدة: "يدعو خبراء الأمم المتحدة إلى إنهاء معاناة العائلات التي تبحث عن الحقيقة حول أحبائهم المفقودين في الأراضي الفلسطينية المحتلة وإسرائيل"، 18 يوليو 2025، https://www.un.org/unispal/document/un-experts-press-release-18jul25/?utm_source
[3]المركز الفلسطيني للمفقودين والمختفين قسريا : " مأساة المفقودين والمخفيين قسرًا أحد أكثر وجوه قسوة للإبادة الجماعية في غزة"، أكتوبر 2025، https://pcmfd.org/?p=4563
[4] الهيئة الدولية لحقوق الشعب الفلسطيني (حشد): " الغزيون بين الاسر والاخفاء القسري، المفقودين في حرب الإبادة"، https://drive.google.com/file/d/1WUGI2VNYpLUO9JvsmuyhuRqXYy6b-XDQ/view
[5]نادي الأسير:" 1000 عامل من غزة مختفون قسريا بإسرائيل منذ 7 أكتوبر"، https://www.aa.com.tr/ar/%D8%A5%D8%B3%D8%B1%D8%A7%D8%A6%D9%8A%D9%84/%D9%86%D8%A7%D8%AF%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B3%D9%8A%D8%B1-1000-%D8%B9%D8%A7%D9%85%D9%84-%D9%85%D9%86-%D8%BA%D8%B2%D8%A9-%D9%85%D8%AE%D8%AA%D9%81%D9%88%D9%86-%D9%82%D8%B3%D8%B1%D9%8A%D8%A7-%D8%A8%D8%A5%D8%B3%D8%B1%D8%A7%D8%A6%D9%8A%D9%84-%D9%85%D9%86%D8%B0-7-%D8%A3%D9%83%D8%AA%D9%88%D8%A8%D8%B1/3207411