أولًا: مقدمة التقرير:
يأتي هذا التقرير في سياق موجة النزوح الداخلي الواسعة التي شهدها قطاع غزة خلال الحرب الأخيرة، وما خلّفته من دمار شامل للبنية التحتية المدنية، بما في ذلك المساكن والمدارس والمستشفيات والمقار الحكومية. هذا الدمار دفع مئات الآلاف من السكان إلى اللجوء إلى المرافق العامة التي تحولت اضطراريًا إلى مراكز إيواء جماعية، وعلى رأسها مدارس وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، والمدارس الحكومية، وبعض المستشفيات والمباني الرسمية التي لم تُصمَّم أصلًا لاستيعاب هذا العدد الكبير من النازحين.
ومع توقف العمليات العسكرية وبدء مرحلة ما بعد وقف إطلاق النار، بدأت السلطات المحلية وإدارات المؤسسات العامة بمحاولات لإعادة تشغيل هذه المرافق، سواء لاستئناف العملية التعليمية أو لاستعادة الخدمات الصحية والإدارية. وقد رُصدت خلال هذه المرحلة حالات متزايدة من مطالبة النازحين بمغادرة هذه المرافق أو تقليص وجودهم فيها، سواء عبر الإخطارات المباشرة أو عبر إجراءات غير رسمية أدت فعليًا إلى دفع الأسر للمغادرة دون توفير بدائل مناسبة. ويهدف هذا التقرير إلى توثيق هذه الحالات وتحليلها، وفحص مدى توافقها مع الالتزامات القانونية الفلسطينية والدولية، والآثار الإنسانية المترتبة عليها، في ظل غياب سياسة وطنية واضحة لإدارة النزوح الداخلي.
ثانياً: أنماط الإخلاء وآثاره الإنسانية:
شهدت مرحلة ما بعد وقف إطلاق النار في قطاع غزة بروز أنماط متعددة من الإخلاء داخل المرافق العامة التي تحولت إلى مراكز إيواء جماعية خلال الحرب. فقد بدأت السلطات المحلية، إلى جانب إدارات المدارس والمستشفيات وبعض الجهات الخدمية، باتخاذ إجراءات تهدف إلى إعادة تشغيل هذه المرافق لوظيفتها الأصلية، سواء التعليمية أو الصحية أو الإدارية. ورغم أن هذه الأهداف تبدو في ظاهرها مرتبطة باستعادة الخدمات العامة، إلا أن الإشكال الحقوقي الجوهري يتمثل في أن هذه الإجراءات غالبًا ما تمت دون توفير بدائل آمنة وكريمة للنازحين، ما أدى إلى تعريض آلاف الأسر لمخاطر إنسانية مباشرة، وخلق موجات جديدة من النزوح الثانوي.
أما إدارات المدارس والمستشفيات بدورها واجهت ضغوطًا كبيرة لاستئناف العمل، خاصة في ظل الاكتظاظ الشديد داخل المرافق، ووجود مخاطر صحية أو بنيوية تحول دون استمرار تقديم الخدمات. غير أن هذا التداخل بين الحاجة المؤسسية وبين واجب حماية النازحين الموجودين فعليًا داخل هذه المرافق خلق حالة من التوتر، حيث لم تُقدَّم للأسر خطط انتقالية واضحة، ولم تُراعَ احتياجات الفئات الهشة، بما في ذلك النساء والأطفال والمرضى وكبار السن. كما ساهمت بعض المنظمات الدولية بشكل غير مباشر في تقليص أعداد النازحين عبر إعادة توزيع المستفيدين أو تغيير سياسات استخدام المرافق، ما أدى فعليًا إلى دفع الأسر للمغادرة دون توفير بدائل مناسبة.
وبالنسبة لآليات الإخلاء، فقد اتسمت بالتباين وغياب التنظيم. ففي كثير من الحالات، تلقّت الأسر إخطارات شفهية غير موثقة عبر موظفين محليين، دون وجود مستند رسمي يمكن الاعتراض عليه أو الاستناد إليه. وفي حالات أخرى، جرى تعليق إخطارات مكتوبة أو قوائم بالأسماء على أبواب المدارس أو المرافق، تستهدف فئات محددة من النازحين، ما خلق شعورًا بالتمييز وعدم الشفافية. كما استخدم الاتصال بالهاتف كوسيلة للمطالبة بمغادرة المرفق خلال 24 إلى 72 ساعة، وهي مهلة قصيرة وغير واقعية في ظل غياب وسائل النقل أو وجهات بديلة. وقد زادت خطورة هذه الإخطارات عندما صدرت في ساعات الليل أو خلال ظروف جوية قاسية، ما جعل الانتقال أكثر صعوبة، خاصة على الأطفال وكبار السن.
وتكشف الوقائع أن غياب البدائل المناسبة كان السمة الأبرز لهذه المرحلة. فغالبًا ما انتقلت الأسر إلى أراضٍ مفتوحة أو مبانٍ غير مكتملة البناء أو مخيمات مكتظة تفتقر إلى البنية التحتية الأساسية للمياه والصرف الصحي والرعاية الصحية. وفي كثير من الحالات، لم تُقدَّم أي وجهة بديلة على الإطلاق، ما دفع الأسر للاعتماد على أقارب أو البحث الذاتي عن مأوى، في ظل انعدام الأمان وغياب نظام تسجيل أو توجيه رسمي. هذا الواقع يتعارض مع الالتزامات القانونية الفلسطينية التي تكفل الحق في السكن الملائم، ومع قانون الصحة العامة الذي يفرض ضمان استمرار الرعاية الصحية، ومع قانون التعليم الذي يحظر أي إجراء يؤدي إلى حرمان الأطفال من التعليم.
وقد كان للأثر الإنساني لهذه الإخلاءات تبعات خطيرة على الفئات الأكثر هشاشة. فالنساء تحملن العبء الأكبر في إدارة الانتقال القسري، وتأمين احتياجات الأطفال والمرضى وكبار السن في بيئات جديدة أقل استقرارًا، في وقت ارتفعت فيه مخاطر العنف القائم على النوع الاجتماعي نتيجة الانتقال إلى أماكن أكثر اكتظاظًا أو أقل تنظيمًا. أما الأطفال، فقد عانوا من اضطراب نفسي عميق نتيجة التنقل المتكرر وفقدان الشعور بالأمان، إضافة إلى الانقطاع المستمر عن التعليم، وتعرض بعضهم لأعمال شاقة أو استغلال أو تحرش في ظل غياب نظم الحماية. وبالنسبة للمرضى وكبار السن، فقد أدى الإخلاء إلى انقطاع الرعاية الصحية، وصعوبة الوصول إلى المراكز الطبية، وتدهور الحالات الصحية، خاصة لدى أصحاب الأمراض المزمنة الذين يحتاجون إلى علاج دوري. كما أن الإخلاء في ظروف جوية سيئة أو عبر طرق مدمرة زاد من احتمالات التدهور الصحي أو الوفاة أثناء الانتقال.
إن هذه الأنماط من الإخلاء، بما تتضمنه من غياب للبدائل، وغياب للشفافية، وغياب للحماية، تكشف عن فجوة كبيرة بين الواقع الميداني وبين الالتزامات القانونية التي تفرضها القوانين الفلسطينية والمعايير الدولية، وتؤكد الحاجة الملحّة إلى وضع سياسة وطنية واضحة لإدارة النزوح الداخلي، تضمن حماية النازحين وكرامتهم، وتمنع تكرار موجات النزوح الثانوي التي تفاقم معاناة الأسر التي فقدت كل شيء.
ثالثاً: الإطار القانوني لحماية النازحين داخليًا – قراءة تحليلية في ضوء الوقائع الميدانية:
يمثّل النزوح الداخلي في قطاع غزة أحد أخطر المظاهر الإنسانية التي خلّفتها الحرب، ولا سيما حين يرتبط بعمليات إخلاء قسري أو غير منظم من المرافق العامة التي تحولت إلى مراكز إيواء جماعية. وتُظهر الوقائع الميدانية التي وثّقها التحقيق الميداني—ومنها مطالبة أسرة نازحة تضم أطفالًا وجدة مريضة بمغادرة كلية استخدمتها كملجأ دون توفير بديل، وإخلاء مريض فشل كلوي من محيط مستشفى دون ضمان استمرار علاجه—وجود فجوة خطيرة بين الواقع وبين الالتزامات القانونية التي تفرضها القوانين الفلسطينية والقانون الدولي على الجهات المسؤولة عن حماية النازحين داخليًا. وفيما يلي تحليل قانوني مزدوج، يجمع بين الإطار الوطني والإطار الدولي، مع إسقاط مباشر على الحالات الواقعية التي تم توثيقها.
الإطار القانوني الفلسطيني:
يشكّل القانون الفلسطيني—بمستوياته الدستورية والتشريعية—منظومة واضحة لحماية الحقوق الأساسية للسكان، بما في ذلك النازحين داخليًا. ورغم أن فلسطين لا تمتلك قانونًا خاصًا بالنزوح الداخلي، إلا أن القانون الأساسي الفلسطيني المعدل لسنة 2003، والقوانين القطاعية (الصحة، التعليم، حقوق الطفل)، تفرض التزامات مباشرة على السلطات المحلية والمؤسسات العامة تجاه حماية النازحين وضمان عدم تعريضهم لمخاطر إضافية
- الحق في الكرامة الإنسانية:
ينص القانون الأساسي المعدل في مادته الثانية على أن “الإنسان هو القيمة العليا”، وفي المادة التاسعة على أن الفلسطينيين متساوون في الحقوق والواجبات، وفي المادة العاشرة على التزام الدولة بالحقوق والحريات الأساسية وفق الاتفاقيات الدولية. وبالنظر إلى حالة أسرة سامر التي طُلب منها مغادرة الكلية دون بديل، فإن إجبار أسرة تضم أطفالًا وجدة مريضة على الانتقال إلى أرض مفتوحة بلا خيام أو خدمات يشكّل مساسًا مباشرًا بالكرامة الإنسانية، ويناقض الالتزام الدستوري بحماية الفئات الضعيفة.
- الحق في السكن الملائم:
لا يوجد قانون إسكان خاص بالنازحين، لكن القانون الأساسي يكرّس الحق في “مستوى معيشي لائق”، وهو ما يشمل السكن الملائم. كما أن القضاء الفلسطيني رسّخ مبدأ حماية السكن كجزء من الحقوق الأساسية.
وبالتالي، فإن الإخلاء دون توفير بديل—كما حدث مع أسرة سامر وأسرة فؤاد—يمثّل انتهاكًا للحق في السكن الملائم، ويحمّل الجهة الآمرة بالإخلاء مسؤولية قانونية مباشرة.
- الحق في الصحة:
يفرض قانون الصحة العامة على السلطات ضمان استمرار الرعاية الصحية، وخاصة للفئات التي تعتمد على علاج دوري. وفي حالة فؤاد العطار، الذي يحتاج إلى غسيل كلى كل ثلاثة أيام، فإن إخلاءه من محيط المستشفى دون ضمان استمرار العلاج، ودون توفير وسيلة نقل، أدى إلى انقطاع جلسات الغسيل، وهو ما يشكّل انتهاكًا صريحًا لالتزام قانون الصحة بحماية المرضى من الخطر.
- الحق في التعليم:
يحظر قانون التعليم أي إجراء يؤدي إلى حرمان الأطفال من التعليم. ومع ذلك، فإن إخلاء المدارس التي تحولت إلى مراكز إيواء دون خطة انتقالية، ودون توفير بدائل، أدى إلى انقطاع الأطفال عن التعليم، وخلق دورة مستمرة من الحرمان التعليمي. وهذا يتعارض مع الالتزام القانوني بحماية حق الأطفال في التعليم، ويحمّل الجهات المسؤولة واجب توفير بدائل تعليمية أو بيئات آمنة.
- حماية الأطفال:
ينص قانون الطفل الفلسطيني على حماية الأطفال من الخطر والإهمال والاستغلال، ويُلزم الدولة باتخاذ التدابير اللازمة لضمان سلامتهم. لكن الوقائع الميدانية—ومنها اضطرار الأطفال إلى التنقل في ظروف قاسية، أو تعرّضهم لأعمال شاقة، أو فقدانهم الحماية—تكشف عن إخلال واضح بهذه الالتزامات.
الإطار القانوني الدولي:
يمثّل القانون الدولي الإنساني، والقانون الدولي لحقوق الإنسان، والمبادئ التوجيهية للنزوح الداخلي، الإطار الأكثر اكتمالًا لحماية النازحين داخليًا، ويُعدّ مرجعًا أساسيًا لتقييم مشروعية الإخلاءات التي جرت بعد وقف إطلاق النار.
- القانون الدولي الإنساني – حماية المدنيين ومنع النقل القسري:
يحظر القانون الدولي الإنساني النقل القسري للمدنيين إلا في حالات الضرورة القصوى، ويُلزم بتوفير ظروف مناسبة من حيث المأوى والصحة والسلامة.
- اتفاقية جنيف الرابعة (المادة 49) تحظر النقل الجبري أو الترحيل، ولا تجيزه إلا إذا اقتضته "ضرورات حربية مطلقة".
- البروتوكول الأول (المادة 51) يحظر إرهاب السكان المدنيين أو إجبارهم على النزوح.
- البروتوكول الثاني (المادة 17) يكرّر الحظر ذاته في النزاعات غير الدولية.
وبالنظر إلى الوقائع، فإن مطالبة الأسر بالمغادرة دون بديل، ودون ضرورة عسكرية، ودون حماية، يجعل الإخلاء أقرب إلى النقل القسري المحظور.
- حماية الأعيان المدنية:
تنص اتفاقية جنيف الرابعة (المادة 18) على حماية المستشفيات المدنية، ويؤكد البروتوكول الأول (المواد 52–53) على حماية المدارس والمرافق العامة. وبالتالي، فإن استخدام المدارس بطريقة تؤدي إلى نزوح السكان، أو إخلاء المرضى من محيط المستشفيات دون ضمان استمرار العلاج، يشكّل مساسًا بالحماية المقررة للأعيان المدنية.
- نظام روما الأساسي – الوصف الجنائي للنقل القسري: يعتبر نظام روما النقل القسري:
- جريمة ضد الإنسانية إذا كان واسع النطاق أو منهجيًا (المادة 7).
- جريمة حرب إذا تم دون ضرورة عسكرية قاهرة (المادة 8).
وبالنظر إلى حالة فؤاد العطار، فإن الإخلاء الذي أدى إلى انقطاع العلاج، وتعريض حياته للخطر، يدخل ضمن النقل القسري الذي يرقى إلى مستوى الانتهاك الجسيم.
- المبادئ التوجيهية للنزوح الداخلي (1998):
تُعد المرجع الأكثر اكتمالًا لحماية النازحين داخليًا، وتشترط: حظر النزوح التعسفي (المبدأ 6)، توفير مأوى ملائم ومياه وغذاء ورعاية صحية (المبدأ 7)، الحفاظ على وحدة الأسرة، ضمانات إجرائية قبل الإخلاء غياب هذه الضمانات في الحالات التي وثّقها التقرير يجعل الإخلاء تعسفيًا وفق المعايير الدولية.
- القانون الدولي لحقوق الإنسان: تظل التزامات الدولة قائمة حتى في حالات الطوارئ.
- الحق في السكن الملائم (المادة 11 من العهد الدولي)، الحق في الصحة (المادة 12)،الحق في التعليم (المادة 13)، وبالتالي، فإن إخلاء المدارس دون بديل، أو إخلاء المرضى دون ضمان العلاج، يشكّل انتهاكًا مباشرًا لهذه الحقوق.
- توصيات للسلطات المحلية: تتحمل السلطات المحلية المسؤولية المباشرة عن إدارة المرافق العامة بعد وقف إطلاق النار، ويجب أن تستند قراراتها إلى معايير حقوقية واضحة، تشمل:
سادساً: النتائج والتوصيات:
تكشف الوقائع الميدانية التي وثّقها التقرير—ومنها إخلاء أسرة سامر من الكلية في دير البلح دون بديل، وإخلاء أسرة فؤاد العطار من محيط المستشفى رغم حاجته إلى غسيل كلى دوري—عن صورة مركّبة لواقع الإخلاءات بعد وقف إطلاق النار في قطاع غزة. فقد جرت هذه الإخلاءات في ظل غياب سياسة وطنية لإدارة النزوح الداخلي، وغياب بدائل مناسبة، وغياب ضمانات إجرائية، ما أدى إلى موجات جديدة من النزوح الثانوي، وتدهور الأوضاع الصحية والتعليمية والاجتماعية للفئات الأكثر هشاشة.
وتشير هذه الوقائع إلى أن استمرار الإخلاءات دون تخطيط سيؤدي إلى تفاقم حالة عدم الاستقرار، وزيادة انتقال الأسر من ملجأ لآخر، وارتفاع المخاطر الصحية نتيجة انتقال النازحين إلى بيئات أقل تجهيزًا، خاصة في فصل الشتاء. كما أن غياب البدائل سيؤدي إلى تآكل القدرة المؤسسية على حماية الفئات الضعيفة، وإلى استمرار حرمان الأطفال من التعليم، وانقطاع الرعاية الصحية عن المرضى وكبار السن، كما حدث مع فؤاد الذي انقطعت جلسات غسيل الكلى عنه بعد الإخلاء.
وفي المقابل، فإن تبنّي سياسة تدريجية لتنظيم الإيواء، تقوم على وضع معايير موحدة للإخلاء، وتوفير بدائل مناسبة، وتعزيز التنسيق مع المنظمات الدولية، يمكن أن يخفف من الأثر الإنساني للإخلاءات، ويعيد جزءًا من الاستقرار للأسر النازحة. كما أن وجود دعم دولي لإعادة الإعمار، وإعادة تأهيل المدارس والمستشفيات، وفصل وظيفتي الإيواء والخدمة، يمكن أن يفتح المجال أمام صياغة
إطار وطني دائم لإدارة النزوح الداخلي.
وانطلاقًا من هذه النتائج، يقدّم التقرير مجموعة من التوصيات العملية والقانونية، الموجهة إلى السلطات المحلية، والمنظمات الدولية، والمؤسسات الحقوقية، والمشرّع الفلسطيني، لضمان حماية النازحين ومنع تكرار الانتهاكات التي وثّقتها الحالات الواقعية.
- وضع بروتوكول رسمي للإخلاء: يتضمن:
- إشعار خطي أو شفهي موثق بمهلة زمنية كافية (لا تقل عن 72 ساعة).
- تحديد وجهات بديلة واضحة ومعلنة مسبقًا.
- توفير وسائل نقل مناسبة، خاصة للأسر التي تضم مرضى أو كبار سن.
- إعطاء الأولوية للفئات الأكثر هشاشة: النساء، الأطفال، المرضى، كبار السن، ذوي الإعاقة. وحظر الإخلاءات الليلية أو في ظروف جوية خطرة إلا في حالات الخطر الداهم، مع توفير دعم طبي وإغاثي فوري. و إنشاء وحدة متخصصة لإدارة النزوح الداخلي تتولى: تسجيل النازحين وتقييم احتياجاتهم وتوجيههم إلى أماكن إيواء مناسبة والتنسيق مع المنظمات الدولية وضمان عدم تكرار النزوح الثانوي . هذه الوحدة ضرورية لمنع تكرار ما حدث مع أسرة سامر التي تُركت دون توجيه أو بديل.
- توصيات للمنظمات الدولية والإنسانية: من خلال دعم مرافق الإيواء القائمة من خلال: توفير مواد الإيواء الطارئة، وتحسين أنظمة المياه والصرف الصحي، وتوفير خدمات الصحة النفسية والاجتماعية، ودعم العائلات التي تضم مرضى مزمنين، مثل حالة فؤاد.و ربط الدعم الإنساني بمعايير الحماية: على المنظمات الدولية أن تشترط على الشركاء المحليين: عدم تنفيذ أي إخلاء دون بديل، واحترام المعايير الدولية للنزوح الداخلي، وتوفير ضمانات إجرائية قبل الإخلاء
- توصيات للمؤسسات الحقوقية الفلسطينية:
- التوثيق الممنهج لحالات الإخلاء عبر بناء قاعدة بيانات تشمل:
(التاريخ، المكان، الجهة الآمرة، عدد المتضررين، البدائل المتاحة، النتائج الصحية والاجتماعية)
- استخدام الآليات الدولية للمساءلة من خلال: إعداد تقارير موازية، ورفع شكاوى إلى المقررين الخاصين
- توصيات للمشرّع والجهات القانونية الفلسطينية: تشمل تطوير إطار قانوني خاص بالنزوح الداخلي يستند إلى: المبادئ التوجيهية للنزوح الداخلي، والقانون الدولي الإنساني، والقانون الدولي لحقوق الإنسان.
وتوثيق الانتهاكات التي ترقى إلى النقل القسري
سابعاً: الخاتمة:
تُظهر الوقائع الميدانية التي وثّقها التقرير أن الإخلاءات التي جرت بعد وقف إطلاق النار في قطاع غزة تمت في سياق هشّ يتسم بغياب البدائل، وضعف التخطيط، وافتقار الإجراءات للضمانات الإنسانية الأساسية. وقد أدى ذلك إلى موجات جديدة من النزوح الثانوي، وتدهور أوضاع الأسر التي فقدت منازلها، وانقطاع الرعاية الصحية عن المرضى، وحرمان الأطفال من التعليم، وتعرض النساء وكبار السن لمخاطر إضافية. كما كشفت الحالات الواقعية عن فجوة واضحة بين الواقع وبين الالتزامات القانونية الفلسطينية والدولية التي تفرض حماية النازحين وضمان كرامتهم.
ويخلص التقرير إلى أن الإخلاء، حين يتم دون بديل آمن وكريم، ودون إجراءات واضحة، ودون مراعاة للفئات الهشة، يتحول من خطوة تنظيمية إلى فعل يحمل تبعات إنسانية وقانونية خطيرة، ويقوّض الحقوق الأساسية التي يكفلها القانون الأساسي الفلسطيني والقانون الدولي. ومن ثم، فإن حماية النازحين داخليًا تتطلب التزامًا فعليًا بوضع معايير واضحة للإخلاء، وتوفير بدائل مناسبة )كرفانات، خيم متينة، صرف صحي، خدمات ومرافق داخل المخيمات، أجهزة تدفئة وغيرها الكثير)، وتعزيز التنسيق المؤسسي، لضمان ألا تتحول مرحلة ما بعد الحرب إلى امتداد لمعاناة النازحين، بل بداية لمسار يعيد لهم الحد الأدنى من الاستقرار والكرامة.